‫الرئيسية‬ مقالات من الرعاية إلى الشراكة… التحول في فلسفة التمكين
مقالات - ‫‫‫‏‫30 دقيقة مضت‬

من الرعاية إلى الشراكة… التحول في فلسفة التمكين

د. منى عباس عبدالرازق

واحدة من أكبر الإشكالات في ملف تمكين الشباب والمرأة في السودان ليست نقص البرامج، بل خلل الفلسفة التي تُبنى عليها تلك البرامج.

لقد تعاملت الدولة – عبر عقود – مع الشباب والمرأة بمنطق “الرعاية” لا بمنطق “الشراكة”.

والفرق بين المفهومين هو الفرق بين مواطن ينتظر الدعم، ومواطن يصنع القرار.

أولًا: ثقافة الرعاية… حين يصبح المواطن متلقيًا

ثقافة الرعاية تقوم على فكرة أن الدولة تمنح، والمجتمع يتلقى.

تُقدَّم منح، ومبادرات موسمية، وخطابات تحفيزية، دون أن يُعاد بناء البيئة التي تمنح الاستقلال الحقيقي.

هذه المقاربة قد تُسكّن الأزمات مؤقتًا، لكنها لا تبني استقرارًا دائمًا.

لأن التمكين لا يتحقق بإعانة، بل بامتلاك أدوات التأثير.

ثانيًا: فلسفة الشراكة… حين يصبح الشباب والمرأة صانعي قرار

التحول الحقيقي يبدأ عندما ننقل الشباب والمرأة من موقع “المستفيد” إلى موقع “الشريك”.

الشراكة تعني:

وجودهم في طاولات التخطيط

إشراكهم في صياغة السياسات

منحهم مساحات تنفيذ حقيقية

محاسبتهم كما يُحاسَب غيرهم

لا يمكن الحديث عن تمكين دون منح سلطة فعلية ومسؤولية متوازنة.

ثالثًا: التمكين الاقتصادي لا الدعم المؤقت

كثير من المبادرات تركز على منح مالية صغيرة دون بناء منظومة تدريب وتسويق وتشبيك.

النتيجة: مشاريع تبدأ وتنتهي سريعًا.

التحول المطلوب هو:

ربط التمويل بالتأهيل

إنشاء حاضنات أعمال

توفير إرشاد إداري وقانوني

خلق بيئة تشريعية مشجعة

التمكين الاقتصادي الحقيقي يعني إنتاج قيمة مضافة، لا مجرد تحريك سيولة مؤقتة.

رابعًا: التمكين السياسي… من الكوتا إلى التأثير

الوجود الشكلي في المؤسسات لا يكفي.

المطلوب هو بناء قدرات قيادية قادرة على الحوار، وصياغة الرؤى، والتفاوض، وإدارة الملفات المعقدة.

الشباب والمرأة لا يحتاجون إلى مقاعد رمزية، بل إلى تدريب مؤسسي طويل الأمد يُعدهم لصناعة القرار.

خامسًا: التغيير الثقافي… المعركة الأعمق

التحول من الرعاية إلى الشراكة يتطلب تغييرًا في الذهنية المجتمعية:

الانتقال من “هؤلاء صغار” إلى “هؤلاء قادة قادمون”

من “دور تكميلي” إلى “دور محوري”

من “موسمية الاهتمام” إلى “مأسسة المشاركة”

هذه معركة ثقافية قبل أن تكون إدارية.

التمكين ليس برنامجًا، بل منظومة فكرية ومؤسسية.

وإذا لم نُصحح الفلسفة، سنبقى ندور في دائرة المبادرات الشكلية.

‫شاهد أيضًا‬

أزمة اللاجئين السودانيين

نشرت صحيفة القارديان البريطانية تقريرا حول أوضاع اللاجئين السودانيين في جمهورية مصر العربي…