عقبات الوجود وظلال الآخر : في فلسفة المسافة السيادية وحرية الذات
الواثق المصوراتي

04/06/2026
“لا تهتم للآخرين الكل عقبة”
حين يصدح الوعي في لحظة تجلٍ نادرة بتلك العبارة العميقة والموجزة: “لا تهتم للآخرين الكل عقبة” فإنه لا يطلق صرخة إحباط عابرة في واد سحيق بل يعلن بياناً وجودياً مكتملاً وموقفاً فلسفياً ثاقباً يجابه أعتى أطروحات الفكر الإنساني حول جدلية الذات والعالم .
إنها رؤية تنبثق من استبصار حاد لواقع التجربة الإنسانية حيث يتراءى “الآخر” في كثير من الأحيان كحجر عثرة أو كجدار صلب يرتطم به تدفق الذات الحرة وطموحها الجارف نحو الأصالة والتحقق .
هذا المنظور على بساطته الظاهرة يحمل في طياته إرثاً فكرياً ضخماً يتأرجح بين ضرورة الانعتاق الفردي وحتمية المواجهة الوجودية مسلطاً الضوء على تلك المساحة الحرجة التي يتداخل فيها وعينا الخاص بوعي المجموع .
في المضمار الفلسفي الرحب يجد هذا التصور صداه الأقوى في أدبيات الفلسفة الوجودية التي طالما نظرت إلى الحشد بوصفه قوة طمس وتبديد .
لقد تلمس جان بول سارتر هذا المعنى بعمق حين صاغ حكمته الشهيرة بأن الجحيم هم الآخرون ولم يكن يرمي بذلك إلى تأسيس كراهية عمياء للبشرية بل كان يشير ببراعة إلى تلك “السرقة الوجودية” التي يمارسها الآخرون علينا بمجرد وجودهم ونظراتهم وأحكامهم .
إن الآخر في المنظور الوجودي يمتلك القدرة على تحويل الذات الحرة المليئة بالاحتمالات والخيارات اللانهائية إلى “شيء” جامد ومؤطر داخل تصنيفات مسبقة وقوالب جاهزة .
هذه النظرة الخارجية تختزل كينونتك وتسلبك أصالتك وتجعلك سجيناً لرؤية لا تشبهك ومن هنا تتبدى ذروة الحكمة في غض الطرف عن هذا الحشد واعتبار تطلعاته وأحكامه عقبة حقيقية يجب تخطيها للوصول إلى جوهر الذات ونقائها الإبداعي .
ويمتد هذا التحليل الوعر ليتصل بمفهوم “الـ هم” عند مارتن هايدغر حيث يذوب الوعي الفردي الفريد في بحر العادات والتقاليد والأحكام السائدة التي يفرضها المجموع .
إن المجموع يميل بطبعه الرتيب إلى المحافظة على السائد ويوجس خيفة من كل قفزة نوعية أو فكرة رائدة تفكك قوالبه المستقرة مما يجعل “الكل” في واقع الأمر جبهة مقاومة صامتة أو معلنة ضد أي تميز فردي .
بناءً على هذا السرد يصبح عدم الاهتمام بالآخرين والتعالي على ضوضاء توقعاتهم شرطاً لازماً وحتمياً لاستعادة السيادة الفكرية والروحية وإلا استحال الفرد مجرد صدى باهت لصوت الجماعة وفقد مساره الفريد في ركام التشويش الجماعي .
غير أن هذه الحجة البالغة في الدفاع عن عزلة الوعي المستقل لا بد لها أن تلتقي على ضفة التحليل بنهر فلسفي آخر يرى في هذا “الآخر” مرآة لا غنى عنها لاكتمال الوعي ونضجه .
ففي الجدلية الهيغلية الشهيرة لا يمكن للذات أن تعي قيمتها أو تدرك تفوقها وحكمتها إلا من خلال “الاعتراف” القادم من ذات أخرى تكافئها أو تواجهها .
إن الآخر هنا ليس مجرد عائق مصمت بل هو الحد المقابل الذي يرسم حدود كينونتك والمنصة التي تتجلى عليها معاني التميز والإبداع فكيف يعرف الضياء لولا وجود العتمة وكيف يحتفى بالفرادة لولا وجود السائد والمألوف؟ . وفي السياق ذاته يذهب فلاسفة الفينومينولوجيا كإيمانويل ليفيناس إلى أبعد من ذلك معتبرين أن الوجود الإنساني في أصله هو “وجود مع الآخرين” وأن المسؤولية الأخلاقية والقيم الإنسانية الرفيعة لا تولد إلا عند مواجهة وجه الآخر وبدون هذه المواجهة قد يرتد الوعي الفردي إلى عزلة نرجسية مصمتة يفقد فيها الإنتاج معناه وتغيب عنها غاية التواصل والتأثير .
إن التوفيق بين هذين التيارين المتدفقين يمنح المقولة عمقاً استثنائياً يتجاوز ظاهر القطيعة إلى باطن الحكمة الشاملة .
فالرؤية المتجردة تكشف أن “الكل يكون عقبة” حين نمنحهم المفاتيح الروحية لوعينا وحين نسمح لمعاركهم الصغيرة وأحكامهم المسبقة بأن تصبح المعيار الذي نقيس به ذواتنا وإنجازاتنا . هنا تصبح العزلة الذهنية والترفع عن الاهتمام بهم عملاً بطولياً وضرورة قصوى لحماية الكيان الفكري من التبدد فالإبداع الحقيقي يتطلب دائماً مساحة من الصمت الداخلي لا تخترقها جلبة الحشود .
لكن في الوقت نفسه فإن الوعي الذكي لا يسعى لاستئصال الآخر من الوجود أو الدخول معه في قطيعة وجودية مطلقة بل يتعامل مع العقبات التي يفرضها هذا الآخر بوصفها أدوات الصقل الروحية والمحكات الصعبة التي تختبر صلابة الأفكار وتدفعها للتطور والنمو .
وتأسيساً على هذا النسيج الفكري المترابط تستخلص الرؤية جوهرها الأسمى في صياغة مفهوم “المسافة السيادية” .
إنها المسافة الفاصلة التي تتيح للإنسان الخلاق أن يمر “عبر” العالم والآخرين يتعامل مع وجودهم ويستفيد من تدافعهم دون أن يسمح لأى مواجهم بأن تجرفه أو تطمس ملامحه الخاصة . الوعي الحقيقي هو الذي يرى في العقبة تحدياً يشحذ الإرادة وفي الآخر دافعاً لتعميق الحجة وبناء الذات معتصماً بقلعة داخلية حصينة وشعارها الأنصع هو الترفع عن الالتفات لصغائر الأحكام وتوقعات العابرين .
وفي ختام هذا الطرح الفلسفي تنجلي الفكرة في أبهى صورها لتؤكد أن الانعتاق من سطوة الآخرين ليس هروباً من مواجهة الحياة بل هو التمكين الحقيقي للذات لكي تخط مسارها الخاص بجرأة وأصالة مدفوعة بيقين داخلي يرى في تجاوز العقبات ركيزة الصعود وفي حماية الاستقلال الفكري قمة السيادة الوجودية .
أزمة اللاجئين السودانيين
نشرت صحيفة القارديان البريطانية تقريرا حول أوضاع اللاجئين السودانيين في جمهورية مصر العربي…





