‫الرئيسية‬ مقالات السودان انسحاب العقل قبل الأقدام
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان انسحاب العقل قبل الأقدام

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات 

أخطر ما يحدث للأمم ليس أن تُهزم… بل أن تقتنع أن أدوات الهزيمة هي نفسها أدوات النجاة.

 

فليس كل انسحاب هزيمة … أحيانًا يكون الانسحاب أعلى درجات الحكمة عندما تتحول المعركة إلى استنزاف بلا غاية، ويصبح التقدم مجرد دوران داخل الدائرة ذاتها ، لكن هناك نوع آخر من الانسحاب أكثر خطورة…

> حين لا تنسحب الأقدام من الميدان، بل ينسحب العقل من محاولة الفهم.

وهنا تبدأ #أصل_القضية

 

في حديث مع أحد الخبراء السودانيين دار نقاش طويل حول سؤال يبدو بسيطًا لكنه قاسٍ:

لماذا لا يخرج السودان من أزماته رغم كثرة المبادرات والرؤى والورش والأوراق؟

قال عبارة تستحق التوقف:

(طالما السودان لا يغيّر طريقة تعاطيه مع الأزمات، فسيظل يتقلب داخلها).

الجملة بدت لي في ظاهرها سياسية ، لكنها في عمقها نفسية ومعرفية أكثر منها سياسية.

 

> لأن الأزمة ليست فقط في وجود المشكلة ، بل في طريقة التفكير أثناء محاولة حلها.

 

وهنا تذكرت كتاب «فكر العصبة: دراسات للقرارات المتعلقة بالسياسات والإخفاقات» لإيرفينغ جينِس ، الكتاب لا يتحدث عن السودان ، لكنه يشرح ظاهرة تكاد تكون مألوفة لدينا ، كيف يمكن لجماعات ذكية أن تتخذ قرارات فاشلة باستمرار؟

يسميها:

> التفكير الجماعي (Groupthink).

 

○ حين تصبح المحافظة على الانسجام أهم من البحث عن الحقيقة.

○ وحين يتحول الاتفاق إلى قيمة أعلى من النقد.

○ وحين يصبح السؤال المزعج خطرًا يجب التخلص منه.

 

> أخطر ما في التفكير الجماعي أنه لا يجعل الجماعة تخطئ فقط… بل يجعلها تفقد القدرة على ملاحظة أنها تخطئ.

 

وهنا يظهر سؤال أكثر إزعاجًا:

 

> هل نحن في السودان نعيش أزمة موارد… أم أزمة في طريقة التفكير؟

 

أولًا: لماذا يتحدث السوداني عن السودان من خارج السودان؟

 

في معظم الورش الإسفيرية التي تناقش الشأن السوداني يلفت الانتباه مشهد غريب:

الحضور سودانيون…لكن كثيرًا منهم ليسوا داخل السودان.

قد يبدو الأمر لأول وهلة تناقضًا ،

لكن ربما هو ليس تناقضًا بقدر ما هو مؤشر.

 

السوداني خارج السودان يعيش مفارقة ، يبتعد عن ضغط الواقع اليومي فتزداد قدرته على الرؤية ، لكنه في الوقت نفسه يبتعد عن تفاصيل التنفيذ فتزداد احتمالات التجريد.

 

فيتحول الوطن أحيانًا من واقع معقد…إلى مشروع ذهني.

وهنا يبدأ الخلل لأن الدولة لا تُدار من الذاكرة ، ولا تُبنى من الحنين.

> الدول تُبنى من فهم الناس كما هم…لا كما نتمنى أن يكونوا.

ولذلك ليست المشكلة أن يتحدث الخارج عن الداخل.

المشكلة أن يتحدث وكأنه لا يحتاج إلى ذلك السوداني في الداخل

> الرؤية من الخارج قد ترى الأفق بوضوح أكبر، لكن التنفيذ لا يزال يبدأ ممن يعيش تفاصيل الأرض.

 

ثانيًا: لماذا تتحول الأوراق السودانية إلى أحلام؟

لاحظت في عدد من الورش نمطًا متكررًا:

تخيلوا معي… ، احلموا معي… ، لو أصبح السودان كذا…

والحلم مهم ، لكن الحلم وحده لا يبني دولة.

 

> الفرق بين الرؤية والوهم ليس الجمال… بل وجود طريق بين الحاضر والمستقبل.

 

في الإدارة الاستراتيجية لا تُقاس قوة الفكرة بما تقوله ، بل بما تستطيع تحويله إلى:

> هدف يتحول إلى سياسة، وسياسة تُترجم إلى برنامج، وبرنامج يُقاس بمؤشرات ومسؤوليات وأثر..

 

أما حين تختفي آليات التنفيذ…

○ تصبح الورقة الأدبية أكثر قدرة على المنافسة من الورقة السياسية.

○ ونبقى ننتج مستقبلًا نظريًا…

○ ونستهلك حاضرًا حقيقيًا.

 

ثالثًا: لماذا يهمل الباحث السوداني خصوصية السودان؟

هذه ربما أخطر نقطة.

هناك ميل واسع لاستيراد نماذج جاهزة:

○ نريد تعليمًا مثل فنلندا.

○ اقتصادًا مثل سنغافورة.

○ إدارة مثل بريطانيا.

○ حوكمة مثل فرنسا.

 

لكن السؤال ليس:

□ هل هذه النماذج ناجحة؟

 

■ السؤال: هل نجحت لأنها تشبهنا؟

 

> الدول لا تُنسخ ، هي تتطور من داخل شروطها ، فالاقتباس من التجارب ضرورة، لكن استيرادها دون ترجمة للسياق قد يحوّل الحل إلى أزمة جديدة.

 

● بريطانيا ليست ناجحة لأنها بريطانيا فقط ، بل لأنها بنت حلولًا تناسب تاريخها ومجتمعها ومؤسساتها.

● وفرنسا لم تصبح فرنسا بمحاولة تقليد دولة أخرى.

 

أما السودان… فكثيرًا ما يحاول أن يكون أي شيء إلا السودان.

○ فنبحث عن وصفات مستوردة لمجتمع متعدد.

○ ونبني مؤسسات لا تشبه الثقافة التي ستديرها.

○ ونضع قوانين أكبر من قدرة التنفيذ.

ثم نستغرب لماذا لا تعمل.

 

السوداني الناجح خارج السودان… لماذا يتعثر داخله؟

هنا نعود للفكرة المؤلمة…

> ليست المشكلة في نقص الكفاءات السودانية، فالتجارب تشير إلى قدرة عالية على الإنجاز في بيئات مختلفة، لكن البيئة المؤسسية داخل السودان كثيرًا ما لا تمنح الكفاءة المساحة نفسها التي تمنحها للاعتبارات الأخرى.

في البيئة الخارجية غالبًا:

● تكافئ الأداء.

● تحدد المسؤوليات.

● تحاسب النتائج.

● وتقلل مساحة الشخصنة.

 

بينما في الداخل كثيرًا ما تتحول

○ الكفاءة إلى ملف تفاوض اجتماعي.

○ ويصبح النجاح محتاجًا إلى قبول قبل أن يكون محتاجًا إلى إنجاز.

 

فنقع في مفارقة مؤلمة:

○ نثق في السوداني إذا جاءنا بختم الخارج.

○ ونشك فيه إذا كان من الداخل

 

وكأن الاعتراف لا يُمنح إلا بعد الهجرة.

 

هل الانسحاب حل؟

 

● إذا كان المقصود الانسحاب من الوهم…فنعم.

● إذا كان المقصود الانسحاب من تكرار الأدوات ذاتها…فنعم.

● إذا كان المقصود التوقف عن إعادة تدوير الخطاب…فنعم.

 

لكن إذا كان الانسحاب هو التخلي عن محاولة بناء عقل جديد…

فهو ليس حلًا.

 

لأن الأفق لا ينسد دائمًا بسبب الطريق.

أحيانًا ينسد لأننا ننظر إليه بالأدوات نفسها التي صنعَت الأزمة.

 

والأمم لا تنهض عندما تجد الإجابات.

بل عندما تملك الشجاعة لتغيير الأسئلة.

ولهذا ربما لا يحتاج السودان اليوم إلى مزيد من الحلول.

بقدر حاجته إلى شيء أصعب:

> أن يعترف أن طريقة التفكير التي أوصلته إلى هنا…قد لا تكون هي نفسها التي ستأخذه إلى هناك.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

الوجود الاجنبي كارثة البلاد…!!

من الاسباب الاساسية التي امدت في سنوات الحرب ذلكم الوجود الاجنبي المزعج الوجود الاجنبي غير…