جننتونا… عازة تبكي أبناءها قبل أعدائها
خواطر ابن الفضل د. محمد فصل محمد

اطلعتُ على قصيدة “جننتونا” للشاعر عثمان أحمد سعيد (أبوالورد)، فاستوقفتني ما حملته من معانٍ عميقة ورموزٍ دالة ولستُ هنا بصدد الحديث عن الغناء أو الحكم عليه، ولا عن اسم “عازة” كما ورد في الأغنيات السودانية، وإنما عن الدلالات التي وظفها الشاعر للتعبير عن واقعٍ اجتماعي وسياسي يثير كثيرًا من التساؤلات. فـ”عازة” في هذه القصيدة ليست مجرد اسم، بل رمزٌ للعزة والحياء والوطنية والكرامة، وهي المعاني التي يرى الشاعر أن كثيرًا منها قد أصابه التغيير أو التراجع في واقعنا المعاصر. فالشاعر لا يبحث عن امرأةٍ ضائعة، وإنما يستحضر رمزًا وطنيًا ظل يسكن وجدان السودانيين جيلًا بعد جيل، ويعبر من خلاله عن حالة من الحنين إلى قيمٍ كانت يومًا عنوانًا للأصالة والوفاء والانتماء.، ومن هذا المنطلق يقول:
*عزه دى تاهت ما لقيناها*
*جينا نكوس لى عزة بديله*
*جينا نفتِّش لى أُمّاته*
*أُمها قالت عزة حليله*.
فليست عازة هنا امرأة بعينها، وإنما هي السودان في صورته النقية التي عرفها الناس؛ السودان الذي كان يعتز بدينه وأخلاقه وقيمه وتاريخه ورجاله. ولذلك يزداد الألم عندما يقول:
*عازة الكان متْقَنِّعَة دايماً*
*ما شافوها الناس فى جيله*
*هسع ماشه وناسيه هدومه*
*أو متلفحة بى منديله*
وهو تصوير رمزي بليغ لما أصاب بعض جوانب المجتمع من تبدل في المفاهيم واختلال في المعايير، حتى أصبح التبرج والسفور والتقليد الأعمى للثقافات الوافدة عند بعض الناس مظهرًا من مظاهر التقدم، بينما يُنظر إلى الحياء والعفة والاحتشام وكأنها من بقايا الماضي. وقد حذر الله تعالى من هذا المسلك فقال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]. وقال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير».
ولعل من أكثر المشاهد إيلامًا في واقعنا المعاصر ما نشهده في بعض منصات التواصل الاجتماعي من انحدارٍ غير مسبوق في مستوى الخطاب والأخلاق، حتى أصبحت الشتائم والسباب والألفاظ الخادشة للحياء مادةً يومية يتداولها الناس بلا وازع من دين أو خلق. والأشد أسفًا أن هذه الظاهرة امتدت إلى بعض الأوساط النسائية، فأصبحنا نسمع ونقرأ ألفاظًا كان المجتمع السوداني يستحي من تداولها في المجالس الخاصة، فضلًا عن نشرها أمام الآلاف في الفضاء الإلكتروني.
إن المرأة السودانية التي عُرفت عبر تاريخها بالحياء والرزانة والعفة ليست هي هذه الصورة التي تروجها بعض المنصات، كما أن الغالب على نساء السودان الخير والصلاح، غير أن الأصوات المرتفعة غالبًا ما تحجب الصورة الحقيقية للمجتمع. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وقال سبحانه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، وقال النبي ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».
ثم ينتقل الشاعر إلى سؤال التاريخ والذاكرة الوطنية:
*وين قرشيها*
*وين الكتبو كفاح الجيل*
*وين تاريخنا المن ترهاقا*
*هل دا حقيقة أم تضليل؟*.
وهو سؤال يعيدنا إلى تضحيات الأجيال التي صنعت أمجاد السودان وكتبت تاريخ نضاله وصموده، وإلى الرجال الذين قدموا الوطن على ذواتهم، والمبادئ على المصالح، والواجب على المكاسب.
لكن المؤلم اليوم أن الساحة السياسية أصبحت تعج بكثير من المتناقضات؛ فبعض الساسة يرفعون شعارات الوطنية صباحًا، ثم يضعون مصالحهم الحزبية والشخصية فوق مصلحة الوطن مساءً. وأصبح القرار الوطني في كثير من الأحيان عرضةً للتجاذبات الخارجية والتأثيرات الأجنبية، حتى صار بعض الناس يطلبون الحلول من الخارج أكثر مما يبحثون عنها بين أبناء وطنهم.
لقد حذر الله تعالى من خيانة الأمانة والتفريط في مصالح الأمة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. فالوطنية ليست كلمات تُقال، وإنما مواقف تُثبتها الأفعال حين تتعارض المصالح الخاصة مع مصلحة الوطن.
ولهذا جاء السؤال الأخير في القصيدة بالغ الدلالة:
*وهل الناس الهسي بغنُّو*
*بعرفو عازه بتعنى شنو؟*
*ولّا بغنو عشان ما يقبضو*
*وما هماهم عازة منو؟*.
إنه سؤال عن الصدق قبل أن يكون سؤالًا عن الغناء، وعن الإخلاص قبل أن يكون سؤالًا عن الشعارات. فكم من شخص يتحدث باسم الوطن وهو أبعد ما يكون عن معاني التضحية لأجله، وكم من شعار وطني يُرفع بينما الحقيقة هي البحث عن المكاسب والمناصب والنفوذ.
إن عازة التي تغنّى بها السودانيون رمزًا للعزة والكرامة والوطنية، تستحق أن نقف عند حالها اليوم بحسرة وألم. فقد كانت في وجدان الأمة عنوانًا للشموخ والطهر والوفاء للوطن، غير أن صورتها في واقعنا المعاصر أصابها كثير من التشويه. ففي جانب من المشهد الإعلامي تُقدَّم نماذج لا تعكس أصالة المجتمع السوداني وقيمه الراسخة، وفي جانب آخر من المشهد السياسي أصبح كثير من الساسة يرفعون الشعارات التي لا يؤمنون بها، ويبدلون مواقفهم بحسب مصالحهم، ويجعلون الوطن وقضاياه الكبرى سلعة في سوق المساومات والصراعات.
إن عازة اليوم لا تشكو من خصومها بقدر ما تشكو من أبنائها؛ ممن باعوا المواقف بالمكاسب، واستبدلوا الصدق بالنفاق، والمبادئ بالمصالح، فغابت الحقيقة وسط ضجيج الشعارات، وضاع الحق بين المتنافسين على السلطة والنفوذ.
ومع ذلك تبقى عازة أكبر من أخطائهم جميعًا، وأبقى من مشاريعهم المؤقتة، لأن السودان لم يبنه المنافقون ولا أصحاب المصالح، وإنما بناه المخلصون الذين صدقوا مع الله ثم مع أوطانهم. وما زال في هذا البلد رجال ونساء يحملون قيم العفة والصدق والوفاء، ويؤمنون بأن نهضة السودان لن تكون إلا بالعودة إلى الأخلاق والمبادئ، قبل السياسة والسلطة.
نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يرد إليه أمنه ووحدته وعزته، وأن يهيئ له من أبنائه رجالًا ونساءً يقدّمون مصلحة الوطن على مصالحهم، ويجعلون الحق فوق الأهواء، والواجب فوق المكاسب، لتعود “عازة” كما كانت دائمًا: رمزًا للعزة والكرامة والوطنية.
الأزمة السودانية بين صبر المواطن وبسالة القوات المسلحة.. إلى أين تتجه البلاد بعد المبادرات والتفاوض؟
يمر السودان اليوم بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع ميادين القتا…





