‫الرئيسية‬ مقالات ما وراء الستار: الخفايا الاستراتيجية لمعركة تفتيت السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوع واحد مضت‬

ما وراء الستار: الخفايا الاستراتيجية لمعركة تفتيت السودان

اللازم السفير-واقع معاش

في الجغرافيا السياسية، ثمة دولٌ لا تُحاكم بأفعالها، بل “بإمكاناتها”. والسودان، هذا العملاق الذي ينام على ضفاف النيل، يكتشف اليوم -بمرارةٍ ونضجٍ معاً- أن خطيئته الكبرى لم تكن في ضعفٍ أصابه، بل في “فائض القوة” الذي حمله في أحشائه، وفي ذاكرةٍ عسكريةٍ لا تنسى كيف تُصنع الانتصارات.

​يخطئ من يظن أن الحرب في بلادنا هي انفجارٌ تلقائيٌ للغضب، أو مجرد صدام بين جيشٍ ومتمردين. إنها “قصة قديمة” بدأت فصولها حين قرر السودان، بوعيٍ أو فطريةٍ، أن يكون “العمق الاستراتيجي” للأمة حين تضيق بها الأرض. من صدى مدافع عام 1967، وصولاً إلى فخر أكتوبر 1973، كان السودان هو “الظهير” الذي يكسر شوكة الانكسار. لقد تراكمت في عقل “الآخرين” عقدةٌ من هذا السودان: دولةٌ تُعلّم، وتُدرّب، وتصنع. تلك البصمة العسكرية السودانية التي طبعت ملامح جيوش المنطقة، صارت في نظر مراكز القوى الدولية “ثغرةً أمنيةً” يجب إغلاقها، وخطرًا وجودياً لا بد من تفكيكه.

 

​تخيل أن تتحول دباباتك التي صنعتها بيدك، والتي هزمت تقنياتهم في ميادين العبور، إلى “شهادة إدانة” ضدك. هذا ما حدث بالضبط؛ فبمجرد أن أثبت التصنيع العسكري السوداني أن “الإرادة” قادرة على هزيمة “التكنولوجيا” المستوردة، دقّت نواقيس الخطر في دهاليز الاستخبارات الإسرائيلية. لم يكن المطلوب تدمير جيش فحسب، بل كان المطلوب محو “نموذج القوة” الذي يمثله السودان؛ ذلك النموذج الذي يرفض أن يكون مجرد تابعٍ في “مزرعة الشرق الأوسط”.

 

​أما هؤلاء الذين نراهم يصولون ويجولون في المشهد، من قواتٍ استُجلبت كأدواتٍ للتنفيذ، إلى “حملة القفة” الذين لا يرون في الوطن إلا غنيمة، فهم في حقيقة الأمر “كومبارس” في مسرحيةٍ كُتب نصها في مكانٍ بعيد. إنهم لا يدركون -أو ربما يتجاهلون- أنهم مجرد وقودٍ في محرقةٍ أُشعلت لتفكيك صخرة الهوية السودانية الصلبة.

 

​المعركة اليوم ليست بالرصاص وحده؛ إنها معركة “وعي”. إنهم يراهنون على نسياننا، على تمزق ذاكرتنا الجمعية، وعلى انشغالنا بالصغائر عن “المؤامرة الكبرى”. لكن، يبقى التاريخ هو القاضي العادل؛ فالسودان الذي لم يكسره الاستعمار قديماً، لن تكسره اليوم مؤامرةٌ استعماريةٌ بوجوهٍ مستعارة.

إصمودنا هو الرد الوحيد على محاولات الإلغاء، ووعينا هو الدرع الذي يحمي هذا “الواقع المعاش” من أن يتحول إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

​لنسأل أنفسنا بصدق: هل سنكون الجيل الذي يرى تفكيك وطنه ويصفق؟ أم سنكون الحائط الأخير الذي يتكسر عنده هذا الغزو الممنهج؟

‫شاهد أيضًا‬

بعد التقارب بين واشنطن وطهران.. هل تتغير نظرة أميركا إلى السودان؟

إذا كانت أميركا تصالحت مع إيران (الإرهابية) (كانت) ، وإذا كنا نحن في السودان متهمون من قبل…