‫الرئيسية‬ مقالات نهضة من الركام: معركة البقاء وبناء السودان الحديث
مقالات - ‫‫‫‏‫18 ساعة مضت‬

نهضة من الركام: معركة البقاء وبناء السودان الحديث

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

في حياة الشعوب والأمم، توجد لحظات فارقة لا يمكن قياسها بحسابات الزمن التقليدية أو توالي السنوات، بل تُقاس بحجم التحديات الوجودية التي تحملها، وبطبيعة القرارات المصيرية التي تفرضها على صناع القرار. إنها تلك اللحظات الحرجة التي تتراجع فيها الأسئلة الترفيهية حول سبل التقدم والرفاهية، ليحل محلها السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً: كيف نحافظ على كيان الدولة ذاته؟ وكيف نحمي هيكلها الوطني من التصدع والانهيار الشامل في وجه عواصف عاتية تقتلع الأخضر واليابس؟

في قلب تلك اللحظات الاستثنائية تحديداً، وفي خضم الأزمات التي تهدد الهوية والوجود، يتجلى المعنى الحقيقي للقيادة. وعندما نُسقط هذه المقاربة على الحالة السودانية خلال مرحلة الحرب وما يعقبها من جهود مضنية لإعادة الإعمار، فإننا لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن مرحلة استثنائية بكل المقاييس الجيوسياسية والتاريخية. إنها مرحلة قاسية تداخلت فيها التهديدات الأمنية الوجودية مع الانهيارات الاقتصادية الحادة، وامتزجت فيها أحلام التنمية البسيطة بضرورات البقاء اليومي وحفظ الاستقرار المجتمعي.

وسط هذا المشهد شديد التعقيد، والمليء بالتقاطعات المحلية والإقليمية، برزت الحاجة الماسة لقيادة وطنية تتحمل على كاهلها المسؤولية الجسيمة لإدارة مقاليد دولة بحجم السودان، بكل تنوعها الجغرافي والديموغرافي، في واحدة من أكثر الفترات التاريخية اضطراباً وسيولة، ليس فقط في تاريخ البلاد، بل في تاريخ المنطقة بأسرها.

لم تكن المهمة يوماً سهلة، ولم تكن الطريق نحو الاستقرار ممهدة بالورود أو النوايا الحسنة. فالدولة السودانية التي تصارع لإنهاء التمرد المسلح وبتر أذرع الفوضى، والتي خرجت مثخنة بالجراح من سنوات سياسية واقتصادية عصيبة، كانت تقف أمام تحدٍ مزدوج: هي بحاجة ماسة إلى استعادة ثقة المواطن في مؤسساته الوطنية التي طالتها يد التخريب، وفي الوقت ذاته، هي مطالبة بإعادة بناء بنيتها التحتية الأساسية من الصفر تقريباً، وبلورة رؤية استراتيجية تتجاوز آلام الحاضر المأزوم لتستشرف مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة.

وربما لهذا السبب العميق، اختارت القيادة الوطنية أن تتبنى مساراً بالغ الصعوبة، وهو المراهنة على خيار “البناء والإعمار” بالتوازي مع معركة “إنهاء التمرد وفرض هيبة الدولة”. لم يكن هذا الخيار مجرد شعار سياسي، بل تُرجم إلى مطلوبات قاسية على أرض الواقع؛ من خلال الشروع في شق الطرق القومية التي تمزق عزلة أطراف الوطن المترامية وتربطها بالمركز، والتخطيط لبناء مدن حضرية جديدة قادرة على استيعاب تطلعات أجيال الغد، وتأسيس مشروعات قومية عملاقة للإنتاج الزراعي والصناعي. هذا التوجه يعكس إيماناً راسخاً بأن الدول العظمى والمجتمعات القوية لا تُبنى بالأمنيات أو الخطابات الرنانة، بل بعرق العمل، ودقة التخطيط، وضخ الاستثمارات الجريئة في شرايين المستقبل.

بطبيعة الحال، في أي مجتمع حي، قد تختلف التوجهات حول السياسات الاقتصادية المتبعة، وقد تتباين الآراء بشدة حول ترتيب الأولويات في ظل شح الموارد. لكن الحقيقة الساطعة التي لا يمكن لأي مراقب منصف تجاهلها، هي أن السودان، الذي شهد خلال السنوات الماضية تدهوراً حاداً في مؤشراته التنموية، بدأ يتلمس مسارات حركة عمرانية وتنموية واسعة النطاق. هذه الحركة تستهدف تغيير وجه الكثير من المناطق المهمشة، وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية المستدامة التي تعزز من تماسك الجبهة الداخلية.

ومما يزيد من فداحة المشهد أن التحدي لم يكن محصوراً داخل الحدود الجغرافية للبلاد. فعلى امتداد السنوات القليلة الماضية، كان العالم بأسره يرزح تحت وطأة أزمات متلاحقة وغير مسبوقة؛ بدءاً من جائحة صحية عالمية شلت حركة التجارة وأربكت أعتى الاقتصادات، وصولاً إلى صراعات جيوسياسية دولية ألقت بظلالها القاتمة على سلاسل الإمداد ومصادر الغذاء والطاقة. وفي قلب عين هذه العواصف العالمية، كان لزاماً على الدولة السودانية، بمواردها المحدودة، أن تحافظ على توازنها الدقيق، وأن تستمر في السير إلى الأمام، متجاوزة حقول الألغام السياسية والاقتصادية.

من رحم هذه المعاناة، تبرز فلسفة الحكم والقيادة التي صُقلت بالتجربة والمراس، والتي تتلخص في معادلة حاسمة: لا توجد تنمية اقتصادية أو رفاهية اجتماعية بلا استقرار أمني راسخ، ولا يمكن تحقيق هذا الاستقرار بلا دولة مركزية قوية، تمتلك الإرادة والقدرة على حماية حدودها السيادية، وصون مؤسساتها الدستورية، والدفاع عن المصالح العليا لشعبها. لقد أدركت القيادة في وقت مبكر أن الخطر الأكبر، والعدو الأشرس الذي يمكن أن يواجه الأوطان، ليس الفقر المدقع أو الأزمات الاقتصادية الخانقة على قسوتها، بل هو “الفراغ وغياب الدولة”. ففي غياب الدولة تسود شريعة الغاب وتتلاشى مقومات الحياة. ولذلك، كان التمسك بالحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية العسكرية والمدنية هو حجر الزاوية والجزء الأصيل من الرؤية الاستراتيجية للعبور نحو المستقبل.

وعلى الصعيد الدبلوماسي والمستوى الخارجي، لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي. بل خاضت معركة دبلوماسية شرسة استعادت من خلالها حضورها وتأثيرها في المحافل الدولية. لقد أصبح للسودان اليوم صوت مسموع ورأي يُعتد به في القضايا الإقليمية والدولية المعقدة، مستنداً في ذلك إلى إرثه التاريخي، وموقعه الجيوسياسي الحاكم، وثقله الاستراتيجي الذي لا يمكن لأي قوى إقليمية أو دولية أن تتجاوزه أو تهمشه.

في الختام، إن التقييم الموضوعي لتجربة أي قيادة سياسية في مراحل الانتقال الحرجة يظل دائمًا شأناً يكتبه التاريخ بحياد، وتناقشه الأجيال اللاحقة بعيداً عن عواطف اللحظة الراهنة. لكن ما يمكن إقراره اليوم، وبكل ثقة، هو أن القيادة التي تصدرت المشهد قادت سفينة السودان في أمواج زمن لم يكن عادياً قط، وواجهت تحديات مركبة لم تكن سهلة أو مسبوقة، وخاضت بشجاعة معركة مزدوجة لبقاء الدولة وبناء أركانها الحديثة، وسط إقليم مضطرب يموج بالصراعات والتدخلات.

تبقى الأوطان دائماً وأبداً أكبر من الأشخاص مهما علا شأنهم، وتظل هي الباقية عبر الزمان. لكن هناك أشخاصاً وقادة يفرضون أسماءهم على صفحات التاريخ، ويتركون بصماتهم الغائرة في مسيرة أوطانهم حين ينتشلونها من حافة الهاوية. وهكذا، سيظل هذا العهد مرتبطاً في الذاكرة الوطنية بمرحلة مفصلية عنوانها الأبرز والأسمى: صون الهيكل الوطني، الحفاظ على كيان الدولة السودانية، والقتال بشرف لبناء مستقبل مشرق يليق بعظمة هذا الشعب وتضحياته.

‫شاهد أيضًا‬

مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني يبحث في إيطاليا تعزيز الدعم الإنساني للسودان

بحث مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني، الفريق الركن *الصادق إسماعيل محمود…