حين يدفع الأوفياء الثمن ويهرب الخونة بالمكاسب.. ضريبة الولاء وفاتورة الخيانة
حديث الساعة إلهام سالم منصور

في كل مراحل التاريخ الإنساني، كانت الأوطان تُبنى بسواعد المخلصين وتضحيات الأوفياء، لا بأصحاب المصالح العابرة ولا بتجار الأزمات. فالولاء للوطن ليس كلمة تُردد في المنابر، ولا شعاراً يُرفع في أوقات الحماس، بل هو التزام أخلاقي ووطني يدفع صاحبه أحياناً أثماناً باهظة من راحته وأمنه واستقراره ومستقبله، إيماناً منه بأن الوطن أكبر من الأفراد وأبقى من المصالح.
ولعل من أكثر المفارقات إيلاماً أن المخلصين كثيراً ما يدفعون ضريبة الولاء كاملة، بينما يبدو للبعض أن الخيانة أصبحت طريقاً مختصراً نحو المكاسب السريعة. فصاحب المبدأ يتحمل النقد والتشكيك والتضييق، وربما يُحرم من كثير من الامتيازات، بينما يجد أصحاب المواقف المتقلبة الأبواب مفتوحة أمامهم في بعض المراحل المضطربة. لكن هذه الصورة المؤقتة لا تعكس الحقيقة الكاملة، لأن الزمن وحده هو القاضي العادل بين الولاء والخيانة.
إن الأوطان لا تنسى أبناءها الذين وقفوا معها في أوقات الشدة، حتى وإن تأخر التكريم أو غاب التقدير. فالتاريخ لا يخلد أصحاب المصالح الضيقة، وإنما يخلد الذين حملوا هموم شعوبهم وصبروا على الأذى من أجل بقاء الوطن شامخاً. وما أكثر الذين ظنوا أن الخيانة طريق النجاة، فاكتشفوا متأخرين أنها طريق العزلة والسقوط وفقدان احترام الناس.
وفي السودان، الذي يمر بواحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، تتجلى هذه المعاني بصورة واضحة. فقد اختلطت الأوراق وتعددت المواقف، وأصبح المواطن البسيط يراقب المشهد متسائلاً: من الذي وقف مع الوطن حقاً؟ ومن الذي جعل من معاناة الشعب سلماً لتحقيق أهدافه الخاصة؟ أسئلة مشروعة تفرضها الأحداث المتسارعة، لكنها في الوقت ذاته تكشف أهمية الوعي الوطني في التمييز بين المواقف الصادقة والمواقف التي تحركها المصالح.
لقد دفعت القوات النظامية، ومعها قطاعات واسعة من أبناء الشعب السوداني، أثماناً كبيرة دفاعاً عن وحدة البلاد وسيادتها. كما قدم المواطن السوداني تضحيات هائلة وهو يواجه ظروف النزوح والفقدان وضيق المعيشة، متمسكاً بالأمل في مستقبل أفضل. وهذه التضحيات تمثل أعلى صور الولاء للوطن، لأنها لم تكن مرتبطة بمكاسب أو امتيازات، بل نابعة من إيمان راسخ بأن السودان يستحق التضحية.
أما الخيانة، مهما اختلفت صورها وأشكالها، فإنها تظل عبئاً ثقيلاً على أصحابها وعلى المجتمع بأسره. فهي لا تقتصر على حمل السلاح ضد الوطن، بل تشمل كل فعل يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، أو إضعاف مؤسسات الدولة، أو استغلال معاناة المواطنين لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية. وقد تبدو نتائجها مغرية في البداية، لكنها تتحول مع مرور الزمن إلى وصمة يصعب محوها من الذاكرة الوطنية.
إن الفرق بين الولاء والخيانة ليس فرقاً في الشعارات، وإنما في المواقف ساعة الاختبار. فالولاء يظهر عندما تتعاظم التحديات وتشتد الأزمات، والخيانة تظهر عندما تُقدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. وبين هذا وذاك يقف الشعب السوداني شاهداً على مرحلة مفصلية ستكتب تفاصيلها الأجيال القادمة، وستحكم من خلالها على الرجال والمواقف.
ويبقى الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل الصراعات والخلافات. وستظل قيمة الولاء هي الرصيد الحقيقي الذي يحمله الإنسان معه في الدنيا والتاريخ، بينما تبقى فاتورة الخيانة هي الأغلى ثمناً، لأنها تُفقد صاحبها شرف الانتماء وثقة الناس واحترام الأجيال.
فالأوطان قد تغفر الأخطاء، لكنها لا تنسى المواقف. والتاريخ قد يتأخر في إصدار أحكامه، لكنه لا يخطئ في النهاية بين من ضحى من أجل وطنه، ومن باع وطنه من أجل مصلحة عابرة.
حفظ الله السودان وشعبه، وألهم أبناءه الحكمة والوحدة، وجعل الولاء للوطن فوق كل ولاء، والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
الاحد١٤يونيو٢٩٢٦
الجيش يكبد التمرد خسائر فادحة وينفذ عمليات عسكرية نوعية ناجحة في مختلف محاور العمليات
اصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة تعميم صحفي عن الموقف العملياتي وفيما يلي نص التعميم &n…





