هل العدل هو المساواة المطلقة؟ قراءة نقدية لمقولة النور حمد بين الإسلام والعلمانية
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

تداولت بعض منصات التواصل الاجتماعي عبارة للأستاذ النور حمد مفادها أن: “الشريعة الإسلامية لا تساوي بين المسلم وغير المسلم، ولا بين الرجل والمرأة، ولا بين الحر والعبد، فهل يريد المعترضون على العلمانية أن يجعلوا من عدم المساواة مبدأً دستوريًا؟”
وهذه العبارة تقوم على خلطٍ بين مفهومين مختلفين: المساواة والعدل. فالإسلام لم يجعل المساواة المطلقة بين الناس أصلًا من أصول التشريع، وإنما جعل العدل هو الأصل الذي تُوزن به الحقوق والواجبات والأحكام. ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ولم يقل: يأمر بالمساواة المطلقة.
فليس كل تفريق ظلمًا، كما أن ليس كل مساواة عدلًا. فالناس يختلفون في المسؤوليات والواجبات والولايات والقدرات، ومن مقتضى العدل أن تُراعى هذه الفوارق عند التشريع. ولهذا يفرّق العقلاء في جميع النظم القانونية بين الصغير والكبير، وبين القاضي والمتقاضي، وبين الجندي والقائد، وبين المواطن والأجنبي، دون أن يعدوا ذلك ظلمًا أو انتقاصًا للكرامة الإنسانية.
لقد قرر الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا مبدأ المساواة الإنسانية العامة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وقال النبي ﷺ: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى» (رواه أحمد).
ومن هنا فإن الإسلام لم يفرّق بين المسلم وغير المسلم في أصل الكرامة الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ولم يفرّق بينهما في حق الحياة أو الملكية أو العدالة القضائية. بل إن القرآن أمر بالعدل مع غير المسلمين فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8].
أما ما يتعلق ببعض الأحكام الخاصة كالإمامة العظمى أو الولاية العامة أو بعض أحكام الميراث والشهادة والأسرة، فإنها أحكام مرتبطة بوظائف ومسؤوليات محددة داخل النظام الإسلامي، وليست انتقاصًا من إنسانية أحد أو كرامته. فالتفريق في الوظائف لا يعني التفريق في القيمة الإنسانية.
وكذلك الأمر في العلاقة بين الرجل والمرأة؛ فالإسلام لم يجعل أحدهما أفضل من الآخر بإطلاق، وإنما جعل لكل منهما خصائص ومسؤوليات تناسب فطرته وتكوينه. قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ… أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
أما قضية الرق التي يكررها خصوم الإسلام، فإنها من أكثر القضايا التي يجري تناولها خارج سياقها التاريخي. فالإسلام لم ينشئ نظام الرق، بل وجده نظامًا عالميًا متجذرًا في جميع الحضارات والأمم، ثم ضيق أسبابه إلى أضيق الحدود، وفتح أبواب العتق على مصاريعها، وجعل تحرير الرقاب من أعظم القربات والكفارات، حتى انتهى الرق تدريجيًا في المجتمعات الإسلامية.
والسؤال الذي يغفله دعاة العلمانية: إذا كان الإسلام بهذه الصورة المزعومة التي يصورونها، فكيف حكم العالم قرونًا طويلة؟ وكيف شهد المنصفون من غير المسلمين بعدالته؟
يقول المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه “قصة الحضارة”: “لقد كان أهل الذمة من المسيحيين واليهود والصابئة يتمتعون في ظل الخلافة الإسلامية بدرجة من التسامح لم تعرفها أوروبا المسيحية في ذلك العصر”.
ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب”: “إن الأمم لم تعرف فاتحين أرحم ولا أكثر تسامحًا من العرب المسلمين”.
كما يقرر المؤرخ البريطاني توماس أرنولد في كتابه “الدعوة إلى الإسلام” أن انتشار الإسلام لم يكن بالسيف كما يزعم بعض خصومه، وإنما كان نتيجة لما وجده الناس من عدل المسلمين وحسن معاملتهم.
أما العلمانية التي تُقدَّم اليوم بوصفها الحل السحري للمجتمعات، فإن تاريخها ليس خاليًا من المآسي كما يصورها أنصارها. فقد نشأت في سياق الصراع مع الكنيسة الأوروبية، ثم شهد العالم في ظل الأنظمة العلمانية الحديثة حربين عالميتين أودتا بحياة عشرات الملايين، كما شهد الاستعمار الأوروبي الذي احتل بلاد المسلمين ونهب ثرواتها، وكل ذلك وقع في ظل دول وأنظمة لم تكن تحكم بالشريعة الإسلامية.
ومن هنا فإن القضية ليست: هل توجد فروق تشريعية بين بعض الفئات في الإسلام؟ وإنما القضية: هل هذه الفروق قائمة على العدل والحكمة والمصلحة أم لا؟ والإسلام يجيب بأن العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، لا تسوية المختلفين في كل شيء.
أما جعل العلمانية مرجعًا أعلى من شريعة الله، أو الاعتقاد بأن القوانين البشرية أكمل وأصلح من حكم الله تعالى، فذلك مصادم لأصل الإيمان بحاكمية الشريعة وكمالها، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40].
فالواجب على المسلم أن يعتقد أن شريعة الله هي أكمل الشرائع وأعدلها وأصلحها للعباد، وأن ما يبدو لبعض الناس من إشكالات إنما يرجع في الغالب إلى سوء الفهم أو الجهل بحقائق الإسلام ومقاصده، لا إلى نقص في الشريعة التي وصفها الله بالكمال فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3].هذا يصلح مقدمة وبنية للمقال، ويمكن توسيعه لاحقًا بإضافة أقوال ابن تيمية والشاطبي وابن القيم، وتفصيل مسألة المرأة والرجل، ومسألة حقوق أهل الذمة، والرد التفصيلي على مفهوم المساواة المطلقة في الفكر العلماني.
الجيش يكبد التمرد خسائر فادحة وينفذ عمليات عسكرية نوعية ناجحة في مختلف محاور العمليات
اصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة تعميم صحفي عن الموقف العملياتي وفيما يلي نص التعميم &n…





