‫الرئيسية‬ مقالات أديس أبابا… حين يحاول الخارج مصادرة مفتاح الداخل”
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

أديس أبابا… حين يحاول الخارج مصادرة مفتاح الداخل”

إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

ليست كل الاجتماعات التي تُعقد باسم السودان تُعقد من أجل السودان، وليست كل الطاولات التي تُرفع فوقها شعارات الحوار الوطني تُفضي بالضرورة إلى مشروع وطني. فبين الشعارات المعلنة والأهداف الحقيقية مسافات شاسعة لا تُقاس بالكيلومترات بين الخرطوم وأديس أبابا، وإنما تُقاس بحجم الفجوة بين الإرادة الوطنية والإرادة المستوردة.

ومن يتأمل المشهد التشاوري الذي جرى في أديس أبابا يدرك أن القضية لم تكن مجرد البحث عن ترتيبات لحوار سوداني شامل بقدر ما كانت محاولة لإعادة ترتيب الخارطة السياسية نفسها، وتقريب المسافات بين قوى متباعدة، ليس على قاعدة مشروع وطني جامع، وإنما على قاعدة توافقات تقترب أكثر من رؤى وأجندات الفاعلين الخارجيين الذين ظلوا يتعاملون مع السودان باعتباره ملفاً إقليمياً أكثر من كونه دولة ذات سيادة وإرادة مستقلة.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى. فالأزمة السودانية لم تطل سنوات بسبب غياب المبادرات، وإنما بسبب الإصرار المستمر على البحث عن حلول خارج الحدود، وكأن السودانيين عاجزون عن إدارة شأنهم الوطني بأنفسهم. وكلما اقتربت فرصة لصناعة توافق داخلي حقيقي، ظهرت منصات جديدة تعيد تدوير الأزمة تحت عناوين مختلفة، بينما يبقى جوهر المسألة واحداً: من يملك القرار السوداني؟

لقد أثبتت التجارب أن العمليات السياسية التي تُصنع في الخارج قد تنجح في جمع المتفاوضين داخل القاعات، لكنها كثيراً ما تفشل في جمع السودانيين حول مشروع وطني مستدام. فالشرعية الحقيقية لا تُستورد عبر المطارات، ولا تُصنع في الفنادق المغلقة، بل تولد من رحم الواقع السوداني ومن احتياجات شعبه وتطلعاته وتوافقاته الحرة.

وإذا كان بعض المشاركين ينظرون إلى هذه الاجتماعات باعتبارها خطوة نحو الحل، فإن السؤال الأهم يظل قائماً: هل المطلوب تقريب المواقف بين القوى السياسية لخدمة السودان، أم إعادة هندسة تلك المواقف لتنسجم مع خرائط ومصالح الآخرين؟ لأن الفارق بين الأمرين هو الفارق بين بناء وطن وصناعة وصاية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه البلاد اليوم ليس اختلاف القوى السياسية، فذلك أمر طبيعي في كل الدول، وإنما تحويل الخلافات الوطنية إلى أدوات تستخدمها الأطراف الخارجية لإدارة المشهد وفق أولوياتها الخاصة. وعندما تصبح بوصلتنا الوطنية رهينة لمراكز التأثير الخارجية، فإننا لا نكون بصدد عملية سياسية، بل أمام عملية إعادة إنتاج للأزمة بصورة جديدة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تعد بين الأحزاب والتيارات بقدر ما أصبحت معركة بين مشروعين: مشروع يؤمن بأن الحل يجب أن يولد من داخل السودان، ومشروع آخر يرى أن مفاتيح المستقبل لا تزال معلقة على أبواب العواصم الأجنبية. وبين المشروعين يتحدد مصير الدولة السودانية نفسها.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المنابر العابرة للحدود بقدر ما يحتاج إلى منصة وطنية جامعة، تُدار بعقل سوداني، وتُبنى على مصالح سودانية، وتستهدف مستقبلاً سودانياً خالصاً. فالأوطان لا تُدار بالتفويض، والسيادة لا تُستأجر، والقرار الوطني لا ينبغي أن يكون بنداً قابلاً للتفاوض.

اتجاه البوصلة اليوم يجب أن يبقى ثابتاً نحو الداخل؛ لأن الطريق إلى الخرطوم لا يمر عبر العواصم الأخرى، بل يبدأ من إيمان السودانيين بأن وطنهم أكبر من أجندات الخارج، وأن مستقبلهم لا يصنعه إلا أصحاب المصلحة الحقيقية فيه.

“فليطمئن السودانيون، فالسودان منتصر بإذن الله، ثم بإرادة شعبه ولو بعد حين “.

‫شاهد أيضًا‬

الجزيرة تغلق معابرها وتضبط عربات تهريب بعد مطاردة أمنية

  أعلنت اللجنة الأمنية بولاية الجزيرة إحباط عملية تهريب مواد محظورة وضبط عربتين تتبعا…