نازحو الأبيض: حين تحترق الملاجئ ويسقط قناع الحروب
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لم تعد الحروب في فصولها الراهنة تلتزم بأدنى أخلاقيات المواجهة، بل تحولت في كثير من مسارحها إلى استعراض دموي يستهدف الحلقة الأضعف في سلسلة المجتمع: المدنيين الفارّين من جحيم الموت بحثاً عن رمق حياة. ما شهدته مدينة الأبيض مؤخراً، من استهداف سافر ومباشر لمركز الإيواء الموحد عبر الطائرات المسيرة، لا يمكن تصنيفه مجرد خرق عسكري عابر أو خطأ في تحديد الأهداف، بل هو تجسيد حي لسياسة “الأرض المحروقة” وإمعان متعمد في كسر الإرادة الشعبية وتعميق المعاناة الإنسانية.
إن قصف ملجأ يضم مئات الأسر النازحة – الذين فقدوا منازلهم و مدخراتهم ومزقت الحرب نسيجهم الاجتماعي – يعكس تحولاً خطيراً في العقيدة القتالية للمجموعات المتمردة. حينما تسقط القذائف فوق رؤوس الأطفال والنساء في ملاذهم الأخير، تسقط معها كل الذرائع السياسية والشعارات البراقة التي ترفعها تلك المجموعات. الحصيلة لم تكن مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الضحايا، بل صدمة إنسانية تمثلت في سقوط شهداء وجرحى، جلّهم من الأطفال الذين لم تمنحهم البراءة حصانة ضد شظايا الغدر.
تضع القوانين والاتفاقيات الدولية، لا سيما القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، خطوطاً حمراء صارمة لحماية الأعيان المدنية ومراكز إيواء النازحين والمستشفيات، معتبرةً استهدافها جريمة حرب مكتملة الأركان لا تسقط بالتقادم.
الاستهداف المتعمد بتوجيه الطائرات المسيرة نحو نقطة تجمع مدنية معروفة ومحددة بدقة كمركز إيواء، ينفي فرضية العشوائية ويثبت القصد الجنائي لإحداث أكبر قدر من الذعر والخسائر البشرية، وترويع الآمنين، تهدف هذه العمليات إلى زعزعة الاستقرار في المناطق المكتظة بالسكان، وتحويل مراكز الإيواء إلى بؤر للخوف والموت بدلاً من أن تكون ملاذات للأمان والسكينة، وبالتالي شلّ المرافق الخدمية، إن الضغط المستمر على المرافق الصحية والخدمية بمدن الإيواء يهدف إلى إنهاك البنية التحتية المحلية، مما يضاعف العبء على الكوادر الطبية والمؤسسات الإنسانية.
أمام هذا المشهد القاتم، يبرز تساؤل ملحّ ومؤلم حول دور المنظمات الإنسانية والجهات الدولية والإقليمية. إن الاكتفاء ببيانات القلق الروتينية أو غض الطرف عن الاستهداف الممنهج لمعسكرات النازحين لم يعد مقبولاً، بل يفسره المعتدي على أنه ضوء أخضر للاستمرار في انتهاكاته.
“إن حماية المدنيين ليست خياراً سياسياً أو ورقة للتفاوض، بل هي الواجب الأخلاقي والقانوني الأول الذي يجب أن تلتزم به كافة الأطراف، ويقع على عاتق المجتمع الدولي إلزام المجموعات المتمردة به دون مواربة.”
يتطلب الوضع الراهن تحركاً فورياً يتجاوز لغة الاستنكار إلى آليات محاسبة حقيقية، وتوثيق دقيق لهذه الجرائم لتقديم الجناة إلى العدالة الدولية، مع تكثيف الدعم الإغاثي والطبي العاجل لمدينة الأبيض وبقية المدن التي تتحمل العبء الأكبر من موجات النزوح.
رغم قساوة الهجوم وفداحة الفقد، فإن رد الفعل المحلي يبرهن على صلابة النسيج الاجتماعي وقدرة المؤسسات المحلية على التماسك في أحلك الظروف. تضافر الجهود لإنقاذ الجرحى، وتقديم الرعاية الطبية الفورية، وتأمين مراكز الإيواء، يرسل رسالة واضحة بأن استهداف المدنيين لن يزيد الجبهة الداخلية إلا تماسكاً ورفضاً للمشاريع التدميرية.
إن معركة الأبيض اليوم ليست معركة عسكرية لحماية جغرافيا محددة، بل هي معركة وجودية للدفاع عن قيم الإنسانية وحق الأبرياء في الحياة. وإذا كانت قذائف الغدر قد نجحت في هدم جدران الملاجئ وإيقاع الضحايا، فإنها يقيناً قد فشلت في كسر إرادة البقاء وصمود إنسان هذه الأرض في وجه آلة الحرب الغاشمة.
السودان… حين يصبح المواطن آخر من يدافع عنه الجميع
في الأزمات الكبرى لا تموت الدول حين تخسر معركة… بل حين تخسر تعريف الإنسان الذي قامت من أجل…





