‫الرئيسية‬ مقالات الماضي يعود من جديد… الوجود الأجنبي غير المنظم يطرق أبواب السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫39 دقيقة مضت‬

الماضي يعود من جديد… الوجود الأجنبي غير المنظم يطرق أبواب السودان

حديث الساعة إلهام سالم منصور

لم يعد الحديث عن الوجود الأجنبي غير المنظم في السودان مجرد قضية إدارية أو ملف يخص سلطات الهجرة والجوازات، بل أصبح من القضايا الوطنية التي تتطلب رؤية شاملة وإجراءات عاجلة، خاصة في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد بعد الحرب.

لقد عرف السودان عبر تاريخه بأنه بلد احتضن الشعوب، وفتح حدوده أمام اللاجئين والنازحين والمتضررين من النزاعات في دول الجوار، انطلاقاً من قيمه الإنسانية والإسلامية والإفريقية الراسخة. ولم يكن السوداني يوماً معادياً للضيف أو رافضاً للآخر، بل ظل مضرب المثل في الكرم وحسن الجوار. غير أن هذه القيم النبيلة لا تعني أن تصبح حدود الدولة مفتوحة بلا ضوابط، أو أن يتحول الوجود الأجنبي إلى حالة من الفوضى يصعب السيطرة عليها.

إن الحرب التي شهدها السودان أحدثت فراغات أمنية في بعض المناطق، واستغلتها شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود، مما جعل ملف الوجود الأجنبي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالدولة اليوم مطالبة بمعرفة من يقيم داخل أراضيها، وأين يقيم، وما هي طبيعة نشاطه، وهل وجوده قانوني أم لا، لأن الأمن القومي يبدأ من امتلاك المعلومات الدقيقة.

ولا يخفى على أحد أن أي وجود غير منظم قد ينعكس على الأمن الداخلي، ويزيد من تعقيدات مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتهريب السلاح والمخدرات، فضلاً عن الضغط الكبير على الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه وكهرباء، وهي خدمات يعاني المواطن السوداني نفسه من نقصها بسبب ظروف الحرب.

كما أن سوق العمل تأثر بصورة واضحة، إذ أدى دخول أعداد كبيرة من العمالة غير المنظمة إلى منافسة العمالة الوطنية في كثير من المهن، الأمر الذي يستوجب تنظيم سوق العمل وفق قوانين واضحة تضمن العدالة وتحفظ حقوق الجميع، دون ظلم أو تمييز.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس اتخاذ مواقف انفعالية أو إطلاق أحكام عامة على كل الأجانب، فالكثير منهم يقيم بصورة قانونية ويحترم قوانين السودان، ويسهم في النشاط الاقتصادي والاجتماعي. لكن المطلوب هو تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن احترام القانون هو الأساس الذي تبنى عليه الدول المستقرة.

إن المرحلة الراهنة تفرض على الحكومة الإسراع في تنفيذ حملة وطنية شاملة لحصر الوجود الأجنبي، وإعادة تسجيل المقيمين، ومراجعة تصاريح الإقامة والعمل، وتفعيل الرقابة على المنافذ الحدودية، واستخدام التقنيات الحديثة في إدارة الهجرة، مع تعزيز التعاون مع دول الجوار والمنظمات الدولية لمعالجة هذا الملف وفق المعايير القانونية والإنسانية.

كما أن للإدارات الأهلية، ولجان الأحياء، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام دوراً مهماً في نشر الوعي بأهمية تنظيم الوجود الأجنبي، بعيداً عن خطاب الكراهية أو التحريض، فالقضية قضية سيادة دولة وحماية مجتمع، وليست قضية استهداف لفئة أو جنسية.

إن السودان اليوم يقف أمام فرصة لإعادة بناء مؤسساته على أسس قوية، ومن بين أهم هذه الأسس فرض هيبة الدولة وسيادة القانون على كل من يعيش فوق أرضها. فلا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار، ولا جذب الاستثمار، ولا إنجاح مرحلة إعادة الإعمار، دون وجود نظام واضح لإدارة الحدود والهجرة والإقامة.

إن الماضي يعلمنا أن إهمال مثل هذه الملفات قد يقود إلى تحديات يصعب احتواؤها لاحقاً، ولذلك فإن التحرك المبكر أقل تكلفة من معالجة الأزمات بعد تفاقمها. فالمطلوب هو إجراءات قانونية مدروسة، تحفظ للسودان أمنه وسيادته، وتحفظ في الوقت نفسه كرامة كل من يقيم على أرضه بصورة مشروعة.

حفظ الله السودان، وألهم قيادته الحكمة، وجعل أمن الوطن واستقراره مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، حتى يعبر السودان هذه المرحلة إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.

الاحد٢٨يونيو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

إرادة السودانيين… وابتزاز العواصم 

اختيار الرئيس عبد الفتاح البرهان لمسجد أبو قرون الجمعة بشرق النيل، لم يكن مصادفة ولا توقيت…