خلف كل قرار عسكري حسابات لا تراها الأعين
د. ميمونة سعيد باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

في القضايا العسكرية، تبرز بين الحين والآخر موجات من الجدل والتحليلات التي تتناول تحركات القوات المسلحة وقراراتها الميدانية، وكأن تفاصيل العمليات العسكرية ينبغي أن تكون محل نقاش يومي بين العامة. غير أن الحقيقة التي تؤكدها العلوم العسكرية وتجارب الحروب عبر التاريخ هي أن التخطيط العملياتي ليس شأنًا عامًا، وإنما اختصاص أصيل لقيادة القوات المسلحة وهيئة الأركان، اللتين تمتلكان المعلومات الكاملة عن الميدان، والإمكانات المتاحة، ونوايا العدو، والخيارات الاستراتيجية التي لا تظهر للرأي العام.
إن الجيوش المحترفة لا تدفع بقواتها إلى أي معركة لمجرد أن العدو تحرك في منطقة معينة، ولا تتعامل بمنطق رد الفعل أو الانفعال، وإنما تتحرك وفق خطط مدروسة، تعتمد على جمع المعلومات وتحليلها، وتقدير الموقف، وموازنة المكاسب والخسائر، واختيار التوقيت الأنسب للتحرك. فالعمل العسكري الناجح لا يقوم على الاستجابة العاطفية، وإنما على الحسابات الدقيقة التي قد تستغرق وقتًا قبل اتخاذ القرار المناسب.
ومن المعروف في الفكر العسكري أن العدو قد ينتهج أساليب خداع وتضليل، فيظهر وكأنه يركز جهده في محور معين، بينما تكون غايته الحقيقية استدراج الخصم أو تشتيت قواته تمهيدًا لتوجيه ضربة في مكان آخر. لذلك فإن القادة العسكريين لا ينظرون إلى ظاهر الأحداث فقط، بل يدرسون ما وراءها، ويحللون كل الاحتمالات قبل إصدار الأوامر. ولهذا قد يبدو للبعض أن هناك بطئًا في التحرك، بينما تكون القيادة في الواقع قد اختارت الخيار الأكثر حكمة للحفاظ على الأرواح وتحقيق الأهداف العسكرية.
كما أن العمليات العسكرية لا تُدار بخطط مكشوفة، ولا تُناقش عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، وليس من المنطقي أن تُعرض تفاصيلها على الرأي العام أو تُدار بالمشاورة الشعبية. وليس في ذلك انتقاص من وعي المواطنين أو قدراتهم، وإنما لأن نجاح أي عملية يعتمد على عنصر السرية والمفاجأة، وهما من أهم مبادئ الحرب. فكل معلومة يتم تداولها دون ضوابط قد يستفيد منها العدو بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتدرك القوات المسلحة متى تهاجم، ومتى تدافع، ومتى تعيد التموضع، بل وقد تمتنع أحيانًا عن التحرك إذا كانت معطيات الميدان تشير إلى أن الانتظار أكثر فائدة من التقدم. فالحرب ليست سباقًا لإثبات سرعة الحركة، وإنما فن لاختيار القرار الصحيح في الوقت المناسب، بما يحقق الأهداف العسكرية ويحافظ على القوات والمواطنين.
وفي المقابل، فإن الانتقادات غير المبنية على معلومات صحيحة، أو إطلاق الأحكام على التحركات العسكرية من خارج دوائر الاختصاص، قد تتحول إلى طعنة في ظهر القوات التي تقاتل في الميدان. فإشاعة الإحباط، وترويج الشائعات، والتشكيك المستمر في القرارات العسكرية، كلها أمور تخدم الحرب النفسية التي يسعى إليها الخصم لإضعاف الروح المعنوية للجبهة الداخلية.
إن القوات المسلحة تعمل وفق عقيدة عسكرية راسخة تراعي الأبعاد الدينية والإنسانية والقانونية، وتلتزم بقواعد الاشتباك والانضباط العسكري، وهو ما يميزها عن المليشيات والجماعات المسلحة التي ترى في إرهاب المدنيين وترويعهم وسيلة لتحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية. ولذلك فإن المقارنة بين المؤسستين ليست في محلها، لأن لكل منهما منهجًا مختلفًا في إدارة الصراع.
وفي أوقات الحروب، يبقى من الحكمة أن نترك ما لا نعلمه لمن يملكون المعرفة والمسؤولية، وأن نثق في المؤسسات المختصة بإدارة العمليات، مع الاحتفاظ بحق النقد المسؤول القائم على المعلومات لا على الشائعات. كما أن دعم القوات المسلحة لا يكون فقط بالكلمات، وإنما بتماسك الجبهة الداخلية، ورفض الأخبار المضللة، والدعاء الصادق بأن يحفظ الله الوطن وأهله، وأن يوفق جنوده في أداء واجبهم. فما تقوم به الجيوش الوطنية في مثل هذه الظروف يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر والاحترافية، وهو جهد يفوق في كثير من الأحيان لا تستطيع دول عديدة تحمله أو إنجازه.
إرادة السودانيين… وابتزاز العواصم
اختيار الرئيس عبد الفتاح البرهان لمسجد أبو قرون الجمعة بشرق النيل، لم يكن مصادفة ولا توقيت…





