من الجباية الى التامين والتسهيل:اعادة صياغة استراتيجية التجارة فى مواجهة الصدمات
د.مستشار عبد العزيز ابوطالب

مقدمة
الواقع المعاش للافتصاد السودانى اليوم ليس مجرد حالة ركود تضخمي يمكن علاجها بالآليات التقليدية، بل هو أزمة مركبة طالت الهيكل الأساسي للاقتصاد السودانى. والتى يمكن تلخيصها في أربعة تحديات خانقة:
1. شلل كامل في القدرات الإنتاجية (زراعية وصناعية) بخروج العديد من المصانع والمشاريع الزراعية عن دائرة الانتاج فى الوقت الراهن .
2. تآكل حاد ومستمر في قاعدة الموارد والأصول. اى تدهور البنية الاساسية التى يعتمد عليها الاقتصاد السودانى التى تتعرض لانخفاض متواصل يفقدها قدرتها على تحقيق النمو. ونتيجة لفقدان الموارد الطبيعية لخصوبتها كالاراضى الزراعية اوالغابات نتيجة للقطع الجائر والحرائق مما يؤدى الى فقدان التنوع الحيوىوزيادة معدلات التصحر او استنزاف المعادن نتيجة للتعدين المكثف والاستخدام غير المستدام , مما يؤدى الى فقدان الموارد الطبيعية ,وتلوث البيئة , وزيادة المخاطر الاقتصادية دون اى درجة من التعويض لهذه الموارد . هذا فضلا عن انهيار البنية التحتية للقطاعات الانتاجية والخدمية وهجرة الكفاءات والخبرات للخارج بحثا عن فرص عمل جديدة بعد فقدانهم لوظائفهم ومصادر ارزاقهم بالسودان بسبب للحرب وغيرها .
3. انهيار شبكات وسلاسل الإمداد التي تربط مناطق الإنتاج بأسواق الاستهلاك.بسبب تفكك او توقف العمل فى المنظومة التى تربط مراحل انتاج السلع ( مواد خام – تصنيع – نقل – توزيع -بيع للمستهلك .
4. اتساع الفجوة النقدية نتيجة لسيطرة الأسواق الموازية والمضاربات على العملة الحرة.
في ظل هذا التعقيد الذى يشهده الاقتصاد السودانى فى الوقت الراهن , والذى ادى الى ندرة السلع الاساسية وضعف الخدمات وارتفاع معدلات التضخم خلق وضعاً اصبحت فيه نظريات “الاقتصاد الحر”، والأسواق المفتوحة، وآليات المنافسة غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع؛ رغم اصرار الحكومة لمعالجة تلك الاختلالات بالاعتماد التام على قوى السوق التقليدية في تلك ظروف الاستثنائية والتى لا تقود إلا إلى مزيد من تشوه الأسعار، والفشل في تلبية الاحتياجات المواطن الاساسية .
عليه تقتضي حتمية المرحلة الحالية بالتفكير بسياسات تجارية خارج الصندوق من خلال الانتقال بالسياسة التجارية للدولة من فلسفة “النمو والمنافسة إلى استراتيجية واضحة ومحددة تتمحور حول “المرونة الدينايمكية “.التى تعكس سرعة التكيف مع الازمات .
حيث يعمل هذا التحول على تأمين وحوكمة سلاسل إمداد الغذاء عبر تدخل الدولة الاستراتيجي لتأمين السلع الحيوية، وإدارة المخزون، وفتح ممرات لوجستية آمنة بالتعاون مع قطاع خاص وطني منضبط, عبر التوجيه والرقابة الاستراتيجية لضمان تامين احتياجيات المواطنيين .
ولحوكمة المعاملات التجارية وتامين الامداد السيادى عبر اعادة هندسة حركة الصادرات والواردات والذهب باعتباره المورد الرئيسى للعملات الصعبة بخطة طوارى مؤقته لوضع هذه التحركات تحت اشراف حوكمة صارمة بغرض ضمان وصول السلع الاساسية تهدف الى :-.
Emergency Commerce Governance & Sovereign Plan
السيطرة على تكلفة السلع الاساسية Supply – Side Tools يمكن عمل الاتى :-
• الاعفاء الجمركى والضريبى الفورى لكافة الرسوم والضرائب على السلع الغذائية والدوائية ومدخلات الانتاج الزراعى والصناعى بغرض خفض التكلفة من المنبع .
• تفعيل التسعير التعاونى خاصة من مهام الوزارة ادارة الشئون التعاونية المختلفة بمافيها التسعير المبنى على التكلفة الحقيقية وذلك بالاتفاق مع اتحادات الغرف التجارية والصناعية وكافة منظومات القطاع الخاص الوطنى على هامش ربح رمزى مقابل تسهيلات ضرائبية او جمركية تقدمها الدولة للفطاع الخاص.
• العمل الجاد على استقرار الدخول وحماية القوى الشرائية عبر ادوات السياسة النقدية المرنة للحد من التضخم الجامح بالتركيز على استقرار قدرة المواطن الشرائية بغرض تأمين احتياجاته الاساسية
عليه نوصى ببعض المقترحات علها وعسى ان تعمل على تحويل السياسة التجارية من النمو والمنافسة الى سياسات تؤمن البقاء وتحقق الامن الغذائى وتعمل على استقرار الدخول . عن طريق المحاور التالية :-
• سياسة ادارة الواردات وتامين السلع الاساسية : عن طريق حصر عمليات الاستيراد وتسهيل اجراءتها عبر الاعفاءات الجمركية فى القطاعات ذات الاهمية وهى
1. الغذاء : القمح , الزيوت, ومستلزمات الانتاج الزراعى ( تقاوى واسمدة) لتامين الحد الادنى من الانتاج المحلى .
2. الدواء والمستلزمات الطبية .
3. الطاقة والمدخلات الصناعية والمحروقات اللازمة لتشغيل المصانع الغذائبة وخلافها .
• تفعيل تجارة المقايضة ( ( Barter Trade لتخفيف الضغط على العملات الحرة من خلال ابرام الاتفاقيات التجارية مع عدد من الدول الصديقة والشقيقة خاصة ان هذه اللالية كان معمول بها فى السودان خلال ثمانينات القرن الماضى ( الدولار الحسابى مع مصر ) .
• سياسة تحفيز الصادرات :- تشديد الرقابة على حصائل صادرات السلع الاستراتيجية مثل الذهب, الصمغ العربى , الماشية , الحبوب الزيتية . .. الخ مع تشجيع المصدرين على توريد الحصائل للجهاز المصرفى من خلال تقديم سعر تشجيعى متحرك يواكب ظروف السوق الموازى.
• تامين خطوط النقل للصادرات من مناطق الانتاج الى المواني او النقاط الحدودية لتقليل عبْ تكاليف التأمين والمخاطر التى يتحملها المصدر .
• توجيه الدعم لمدخلات الانتاج الصناعى لاعادة تشغيل المصانع لخلق الوظائف وحماية الدخول المتأكلة .
• تفعيل برتوكولات تجارة الحدود Border Trade مع دول الجوار لتأمين احتياجات الولايات الحدودية مباشرة عبر مقايضة السلع المحلية بسلع دول الجوار دون استخدام النقد الاجنبى .
• اصدار عفو جمركى مؤقت من خلال وضع تعريفة جمركية رمزية تعمل على تشجيع التجار بصورة واضحة وشفافه لضمان تدفق السلع بالاضافة الى تحقيق حد ادنى من الايرادات لخزينة الدولة .
• حوكمة قطاع الذهب والمعادن خاصة انه المورد الرئيسى لتوفير النقد الاجنبى عبر الاسعار المجزية لشراء الذهب عبر نوافذ بنك السودان المركزى بالاضافة الى توفير سلع عينية يحتاجها المعدنون كالمحروقات والاليات بغرض قطع الطريق على شبكات التهريب التى تستغل فروق الاسعار.
• انشاء محفظة تجارية مدعومة بالذهب عبر استخدام احتياطيات الذهب المشتراة كضمانات Collateral لفتح خطوط ائتمان مع بنوك دولية او اقليمية لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية , بدلا من بيع الذهب يشكل مستعجل وباسعار متدنية تحت ضغط الحاجة .
• اعفاء كامل لمدخلات الزراعة التعاقدية التى يتم تمويلها بواسطة الشركات او التعاونيات التى من اى رسوم تجارية , مقابل بيع جزء من المحصول المنتج لصالح المخزون الاستراتيجى للدولة .
• توظيف تحويلات المغتربين من خلال قنوات تجارية عبر مبادرة الاستيراد مقابل التحويل بالسماح للمغتربين وشركاتهم بالخارج باستيراد سلع ومعدات ومعدات انتاجية محددة لتغطية حوجة السوق المحلى مثل اليات زراعية – معدات ومستلزمات طاقة شمسية – مدخلات طبية – مدخلات صناعية …. الخ مع اعفائها من الضرائب شريطة ان يتم اثبات تمويلها من مواردهم المالية الشخصية بالخارج .
خلاصة الامر ان ادارة السياسات التجارية فى ظل ظروف السودان الحالية تتطلب الانتقال من عقلية الجباية والتحصيل الى عقلية التسهيل والتامين , على ان يتم قياس كل قرار تجارى بمؤشر واحد فقط KPI الا وهو هل هذا القرار سيوفر احتياجات المواطن الاساسية باسرع وقت واقل تكلفة اذا كانت الاجابة بنعم يتم الغاء كل الاجراءات البروقراطية . فالزمن فى اقتصاد الحرب يقاس بتوفر الموارد وحماية الارواح والاستقرار الاجتماعى وليس بالايرادات التى ترفد الخزينة العامة .
والله ولى التوفيق
السودان في قلب التحديات.. رؤية استراتيجية للبنية التحتية والتدريب المهني
Ghariba2013@gmail.com يوافق التاسع والعشرون من يونيو، “اليوم الدولي للمناطق المدارية…




