‫الرئيسية‬ مقالات ماهو (صرح) سليمان عليه السلام الذي استقبل فيه الملكة بلقيس، وصرح فرعون الذي بناه له هامان، وأين مكانها؟! 2/1
مقالات - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

ماهو (صرح) سليمان عليه السلام الذي استقبل فيه الملكة بلقيس، وصرح فرعون الذي بناه له هامان، وأين مكانها؟! 2/1

عادل عسوم

بعون الله وتوفيقه سأجعل هذا المقال على جزئين، الأول اتحدث فيه عن الصرحان، والثاني عن المكان الذي حفل بقصة الصرحين.

بسم الله وبه الاستعانة وعليه التكلان.

لم أركن للتفسير الذي تحدث عن ماهية الصرح الذي بناه نبي الله سليمان، وكذلك الصرح الذي بناه هامان لفرعون، بكونهما (بناء مشرف) أي مرتفع، فقد ذلك المعنى المذكور في ثنايا التفاسير التي وقعت عليها عن آيتي سورة غافر.

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)}.

ثم وجدت تفسيرا لابن عاشور في كتابه التحوير والتنوير يقول فيه:

(لاح لي هنا محمل آخر أقرب أن يكون المقصود من الآية ينتظم مع ما ذكرناه هنالك في الغاية ويخالفه في الدلالة ، وذلك أن يكون فرعون أمر ببناء صرح لا لقصد الارتقاء إلى السماوات بل ليخلو بنفسه رياضة ليستمد الوحي من الرب الذي ادعى موسى أنه أوحى إليه إذ قال إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى فإن الارتياض في مكان منعزل عن الناس كان من شعار الاستيحاء الكهنوتي عندهم).

أنتهى.

ولم يروقني -ايضا- تفسيره، لكنه جعلني انفك من أسار المعنى الذي يكاد يجمع عليه المفسرون بكون الصرح بناء عال، فشرعت في تدبر آيات القرآن الكريم (الأربع) التي وردت فيها كلمة صرح، في سورة النمل عند الحديث عن سليمان عليه السلام وملكة سبأ، وفي سورة القصص، وفي سورة غافر.

وجدت بأن موسى وهارون عليهما السلام كانا يحرصان خلال حوارهما المشهود مع فرعون على اثبات ان الكون خلقه الإله الذي يعبدان، وهو الذي أرسلهما إليه، وأن هذا الكون بموجوداته لم يخلقه فرعون أو كهنته ومن كانوا قبله، يقول تعالى في سورة غافر:

{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)}

وعندما هدد فرعون موسى عليه السلام بالسجن ان أصر على قوله؛ رأى موسى عليه السلام بأن يأتيه بمعجزات مرئية وملموسة لعله يقتنع بوجود الله الخالق:

{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)}.

لقد كانت معارف الغيب والماورائيات في عقلية ووجدان فرعون وقومه مرهونة بأمرين فقط هما: السحر، وعلم التنجيم (أسباب السماوات)، فبدأ فرعون بالسحرة، جمعهم (يوم الزينة) فإذا بنبي الله موسى ينتصر ويسجد السحره لله، فصب جام غضبه عليهم، ولم يبق لفرعون سوى التنجيم كملاذ أخير لعله ينتصر به على موسى وإلهه، فأخبر الكهنة بأنه سيتولى الأمر بنفسه-لاستنطاق النجوم والأفلاك-، فأمر هامان بأن يبن له (صرحا).

يقول المفسرون بأن الغاية من بناء فرعون للصرح، هي الصعود عليه ليرى إله موسى الذي يظنه كاذبا.

فكم يكون ارتفاع أعلى مبنى يمكن ان يبنيه له هامان؟!

ان ارتفاع أعلى مبنى في العالم القديم هو الهرم الاكبر، وارتفاعه 147 مترا، وهو موجود من قبل عهد موسى عليه السلام وفرعون، اذ عاش نبي الله موسى في الفترة ما بين 1592-1200 قبل الميلاد، بينما بني الهرم الأكبر بين عامي 2687 و 2125 قبل الميلاد، وقيل بنته (عاد) قبل ذلك بكثير كما ذكر الكاتب محمد سمير عطا في كتابه القيم “الفراعنة لصوص حضارة”. وقد ورد في بعض التفاسير بأن اطوال قوم عاد كانت في حدود المائة ذراع، أي ال45 مترا!.

السؤال الذي يطرح نفسه:

أما كان الأيسر لفرعون أن يسافر إلى الهرم الأكبر ويرقى عليه ليطلع إلى إله موسى؟!

أو يطلب من هامان البحث عن جبل شاهق؛ عوضا عن رهق البناء والزمن الذي سيستغرقه؟!

عليه، فإن الصرح هنا ليس ببناء شاهق، إنما شئ آخر يستعين به فرعون لتحقيق مراده، وإذا بي أجد في ثنايا قراءاتي لتأريخ (الكوشيين) انهم برعوا في علم الفلك لحساب مواسم الفيضان والزراعة، وذلك بالطبع يستدعى معرفتهم بنوع ما من المراصد الفلكية، وقد اثبتت الكشوفات الأثرية امتلاكهم لتقانة (حجرية) للرصد الفلكي، واكتشف الآثاريون موقعا لصهر وتشكيل الحديد.

فإن كان الحال كذلك؛ لماذا لايكون الصرح المذكور (مرصد فلكي) يبنيه هامان؟، مرصد يرى فرعون من خلاله (أسباب السماء) ليطلع إلى إله موسى كما أراد؟!

وإذا بي اجد التأكيد على ذلك في قصة نبي الله سليمان مع بلقيس…

وقصة بلقيس مع سليمان عليه السلام فيها شبه بقصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون، كلاهما بين حق وباطل، كفر وإيمان بالله، والطرفان الكافران معجبان ومستمسكان بمصرورهما، وقد وضح ذلك جليا في حوار فرعون مع موسى عليه السلام، أما الشاهد في قصة بلقيس فإنه رد قوم بلقيس:

{قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} النمل 33

والبأس والقوة العسكرية غالبا تقترن بالقوة الاقتصادية.

لقد غضب سليمان عليه السلام جدا منذ أن عرف من الهدهد بوجود أمة وثنية تسجد للشمس دون الله، وهو المدين لله الذي وهبه ملكا لاينبغي لأحد من بعده، ولكون الرعية تكون دوما على دين ملوكها؛ فقد كان الهدهد غاضبا لذات الأمر.

ويلحظ المتدبر لآي القرآن الواردة في سورة النمل (غلظة) نبي الله على بلقيس وهو يخاطبها في رسالته قائلا {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}!، ولفظ مسلمين هنا تعني الإستسلام التام له، إنها غضبة منه لله، ودوننا غضبة (الرجل الحليم) أبوبكر الصديق رضي الله عنه عندما رد على رسول قريش المشرك عروة ابن مسعود قائلا (أمصص بظر اللات)، وفي أمثال ذلك انزل الله قرآنا يتلى حيث قال تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} 148النساء.

ماكان من بلقيس إلا أن أرسلت لسليمان هدية تليق بالملوك، وقالت لقومها -وهي الحكيمة-:

ان كان ملكا فإن الملوك همهم الدنيا، وان كان نبينا كما يقول؛ فلن يقبل هديتنا.

فلم يقبل نبي الله سليمان الهدية، وقال وصلا لغضبته القاصدة لله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)، فالأمر عنده أمر دين وهو نبي، وأردف قائلا: (فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)، ووصل به الغضب حد الأمر بالإتيان بعرشها عاجلا وهي صاغرة، وجاءه به العابد الذي يعلم اسم الله الاعظم قبل ان يرتد طرف سليمان إليه عليه السلام.

وقبل وصول بلقيس؛ أمر نبي الله سليمان الجن ببناء مرصد يستعين به في حواره معها عن ماتعبد هي ولونها، وذلك بعد أن يريها الشمس والأفلاك التي يعبدونها.

وجاءت الملكة بلقيس صاغرة:

{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} النمل 44

الصرح في اللغة، بجانب كونه البناء الشاهق فإنه مصدر مشتق من صريح، أي خالص ورائق، يقال ماء صريح، أي نقي من الشوائب، وفي حديث الوسوسة: (ذاك صريح الإيمان) أي خالصه ونقيه، ولعل قاعدة المرصد مصنوعة من مصهور الزجاج النقي الخالص من الشوائب، والمرصد منصوب بحيث يرى الوالج انعكاس صورة الأجرام السماوية على سطح الزجاج الممرد المجعول على شكل مرآة في الأرضية.

هذا هو صرح سليمان عليه السلام، وذاك مرصد فرعون في القصة الأولى، ولا أعلم إن كان هامان استطاع بناء مرصده أم لا، والأرجح عندي أنهما فشلا في ذلك ذات الفشل الذي طال فرعون عند اتيانه بالسحرة.

والله أعلم.

ان شاء الله في الجزء الثاني نستعرض الأدلة التي نخلص منها الى المكان الذي حدثت فيه القصتان.

وبالله التوفيق، وبه أستعين، وعليه جل في علاه التكلان.

adilassoom@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

إلى شركاء النجاح في مدارس القبس المنير – فرع أسوان

ليس كل نجاح تُحكى قصته بالأرقام، فهناك نجاحات تُكتب بالصبر، وتُروى بالإرادة، وتُخلَّد لأنه…