‫الرئيسية‬ مقالات لماذا يُغضّ المجتمع الدولي الطرف عن جرائم مليشيات الدعم السريع؟
مقالات - ‫‫‫‏‫11 دقيقة مضت‬

لماذا يُغضّ المجتمع الدولي الطرف عن جرائم مليشيات الدعم السريع؟

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

في مشهدٍ يزداد قتامةً يوماً بعد يوم، تتواصل جرائم مليشيات الدعم السريع المدعومة خارجياً في السودان، جرائم تتجاوز حدود الانتهاكات الفردية لتتحول إلى سياسة ممنهجة تستهدف البنية التحتية، وتشرّد الشعب، وتغتصب النساء، وتنهب الممتلكات، في مشهدٍ يختزل أبشع صور الفوضى والدمار. ومع كل ضغطٍ ميداني تتعرض له هذه المليشيات، يطلّ التدخل الخارجي، وعلى رأسه الإمارات، مطالباً بوقف إطلاق النار وهدنةٍ جديدة، وكأنّ الهدف هو إنقاذ المليشيات من الانهيار لا إنقاذ الشعب من المأساة.

 

إنّ ما يحدث ليس مجرد صراع داخلي، بل هو انعكاس لتشابك مصالح إقليمية ودولية، حيث تُستغل أرض السودان كساحة لتصفية الحسابات، وتُترك دماء الأبرياء لتسيل بلا حساب المجتمع الدولي، الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان والعدالة، يبدو وكأنه يتجاهل هذه الجرائم، أو يتعامل معها ببرودٍ مريب، وكأنّ حياة السودانيين أقل قيمة في ميزان السياسة الدولية. هذا الصمت أو التواطؤ يثير أسئلةً عميقة حول ازدواجية المعايير، وحول حقيقة الشعارات التي تُرفع في المحافل الدولية بينما تُداس على أرض الواقع.

 

إنّ تدمير المستشفيات والمدارس، ونهب الأسواق، وتشريد الأسر، واغتصاب النساء، ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي جرائم حرب مكتملة الأركان. ومع ذلك، يُكتفى في كثير من الأحيان ببياناتٍ باهتة تدعو إلى “التهدئة” و”الحوار”، بينما تُترك المليشيات لتعيد تنظيم صفوفها تحت غطاء الهدن المتكررة، وكأنّ هذه الهدن ليست سوى استراحة محارب تمنح المعتدي فرصةً جديدة للبطش.السؤال الجوهري هنا: لماذا يُغضّ المجتمع الدولي الطرف عن هذه الجرائم؟ هل هي مصالح اقتصادية مرتبطة بالذهب والموارد الطبيعية؟ أم هي حسابات سياسية تتعلق بموازين القوى في المنطقة؟ أم أنّها ببساطة ازدواجية معايير تجعل من حقوق الإنسان سلعةً تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمل حين تتعارض معها؟.

 

إنّ الشعب السوداني اليوم يدفع الثمن مضاعفاً: ثمن الحرب ، وثمن التواطؤ الخارجي، وثمن صمت العالم الذي يكتفي بالمشاهدة بينما تُرتكب أبشع الجرائم أمام أعين الجميع. وما لم يُكسر هذا الصمت، وما لم يُحاسب المجرمون، فإنّ السودان سيظل أسيراً لدائرة الدم والدمار، وسيظل المجتمع الدولي شريكاً في الجريمة بصمته وتخاذله.

 

إنّ صمت المجتمع الدولي أمام جرائم مليشيات الدعم السريع ليس مجرد تقاعس عابر، بل هو تواطؤ يرقى إلى مستوى المشاركة في الجريمة ذاتها، إذ إنّ التغاضي عن الاغتصاب والنهب والتشريد وتدمير البنية التحتية يعني عملياً منح الشرعية للقتل والخراب.

 

إنّ التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والعدالة وإن تأخرت فإنها لا تسقط بالتقادم، وما يُرتكب اليوم من جرائم سيظل وصمة عاراً على جبين كل من صمت أو تواطأ أو ساوم على دماء الأبرياء. السودان يستحق أن يُنقذ، لا أن يُباع في أسواق المصالح، ويستحق أن يُبنى، لا أن يُترك أنقاضاً، ويستحق أن يُحيا شعبه بكرامة، لا أن يُشرّد ويُهان.

 

فلتكن هذه اللحظة فاصلة، ولتكن هذه الجرائم جرس إنذار، ولتكن هذه الدماء الطاهرة صرخةً تهزّ الضمير العالمي، لأنّ من يغضّ الطرف اليوم سيجد نفسه غداً أمام محكمة التاريخ، حيث لا تنفع المصالح ولا تشفع الأعذار.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

إلى شركاء النجاح في مدارس القبس المنير – فرع أسوان

ليس كل نجاح تُحكى قصته بالأرقام، فهناك نجاحات تُكتب بالصبر، وتُروى بالإرادة، وتُخلَّد لأنه…