اغتيال العقول: كيف تسرق المحسوبية مستقبل الأوطان؟
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
حين تُذكر كلمة “الفساد” في النقاشات العامة أو أروقة السياسة، تنصرف الأذهان تلقائياً نحو الأرقام الفلكية، والصفقات المشبوهة، واختلاس المال العام، والرشاوى التي تُدفع خلف الأبواب المغلقة. ورغم فداحة هذا الفساد المالي وقدرته على إنهاك الاقتصاد، إلا أن هناك وجهاً آخر للفساد، أشد فتكاً بالدولة وأعمق أثراً في مستقبلها؛ وجهٌ لا يُقاس بالعملات الصعبة، بل يُقاس بنزيف الأدمغة وهدر الطاقات الحية. إنه فساد إقصاء الكفاءات وسرقة العقول.
إن المال العام الذي يُسرق يمكن تعويضه في دورات اقتصادية لاحقة عبر الإنتاج، والاستثمار، وحسن الإدارة. أما رأس المال البشري، والخبرات المتراكمة، والعلماء، والأطباء، والمهندسون، والمعلمون الذين يُهمشون أو يُدفعون دفعاً نحو الهجرة، فإن خسارتهم تمثل قطيعة تنموية وفجوة معرفية لا يمكن تعويضها، وتدفع الدولة ثمنها أجيالاً متعاقبة من التخلف والتبعية.
تبدأ المأساة الحقيقية لأي مجتمع عندما تنقلب معايير التقييم والترقي الإداري والمهني، فيصبح الانتماء الضيق مقدماً على الكفاءة العلمية، ويتحول الولاء المطلق إلى بوابة العبور الوحيدة للمناصب بدلاً من الإنجاز الفعلي، وتغدو العلاقات الشخصية والزبائنية البديل الموضوعي لسنوات الخبرة والتحصيل العلمي.
في هذه البيئة المشوهة، لا تقتصر الخسارة على الفرد المبدع الذي أُقصي فحسب، بل تمتد لتصبح خسارة وجودية للوطن بأكمله. فعندما تُدار المؤسسات الحيوية بعقول متواضعة الإمكانيات لكنها مرضية عنها، يُحكم على المشروع التنموي للدولة بالفشل المسبق.
إن تغييب ذوي الخبرة وإحلال أصحاب الولاءات محلهم ينتج عنه سلسلة من الأزمات الهيكلية التي تضرب مفاصل الدولة ومنها: تآكل جودة الخدمات العامة، فيتراجع أداء القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية، لأن القائمين عليها يفتقرون إلى الرؤية العلمية والقدرة على إدارة الأزمات، مع خنق الابتكار والإنتاج، ففي غياب العقول المبدعة، تتحول المؤسسات إلى كيانات بيروقراطية جامدة تعيد إنتاج الفشل، وتكاد تنعدم فيها روح المبادرة والابتكار، وبروز ظاهرة “تضخم الأجهزة الإدارية”، فتمتلئ المؤسسات ببطالة مقنعة من غير المؤهلين، مما يستنزف ميزانية الدولة في أجور وامتيازات دون أي عائد حقيقي على مستوى الأداء والتطوير.
نزيف الهجرة وعقم الداخل فتهاجر العقول مجبرة إلى بيئات تقدر الإنسان، مما يحرم الوطن من قيادات المستقبل، ويترك الشباب في الداخل يعانون من الإحباط وفقدان الثقة في قيم العدالة وتكافؤ الفرص، مع تبديد الوقت في تصحيح الأخطاء: تضيع سنوات طويلة وثروات طائلة في محاولة معالجة كوارث إدارية وتقنية كان يمكن تجنبها من البداية لو وُضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
تفرض واحدة من المعضلات السلوكية والاجتماعية نفسها هنا: لماذا ينجح الإنسان خارج وطنه ويتحول إلى قصة نجاح باهرة، بينما كان يعاني من التهميش في بيئته الأم؟، الإجابة لا تكمن في قدرات الفرد ذاتها، بل في بنية المؤسسة. المؤسسات في المجتمعات المتقدمة أو الكيانات الاحترافية توفر بيئة عمل تقوم على معايير واضحة وصارمة للمحاسبة والشفافية، وتكافؤ الفرص في التوظيف والترقي بناءً على الإنتاجية والإبداع، مع تقدير الجهد الفردي وتوفير الإمكانيات التي تحفز على العطاء: بالمقابل، عندما تغيب هذه القواعد في الداخل، يصبح الذكاء عبئاً، وتتحول الكفاءة إلى تهديد للمسؤولين التقليديين، مما يجعل البيئة طاردة لكل من يملك فكراً مستقلاً أو طموحاً حقيقياً.
إن أي محاولة جادة للإصلاح الشامل والنهوض من كبوات الحروب والأزمات الاقتصادية يجب أن تبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان، وذلك عبر حزمة من الإجراءات البنيوية ومنها مأسسة الكفاءة بجعل الجدارة العلمية والمهنية الحاكم الأوحد والاختبار الأساسي لتولي أي منصب عام، بجانب الشفافية المطلقة بتفعيل آليات علنية ونزيهة في التعيينات والترقيات لقطع الطريق أمام المحسوبية والوساطة، مع ضرورة توفر بيئات عمل جاذبة ومحفزة ورعاية المبدعين وتوفير الدعم المادي والمعنوي والتقني الذي يمنع هجرتهم ويدفعهم للاستقرار والإنتاج، والمحاسبة بلا استثناء بتطبيق مبدأ سيادة القانون ومساءلة المقصرين، مهما كانت درجة ولائهم أو علاقاتهم، وتمكين الشباب بفتح الأبواب أمام الطاقات الشابة وضخ دماء جديدة في شرايين القيادة الإدارية والفكرية.
إن الأموال التي تضيع يمكن استعادتها بجولة إنتاجية واحدة أو بإصلاحات مالية وقروض، والمباني التي تتهدم بفعل الأزمات والحروب يمكن إعادة إعمارها في سنوات قليلة إذا ما توفرت الإرادة. لكن، عندما تسقط المنظومة الأخلاقية والمعيارية التي تحمي الكفاءات، وعندما تهاجر العقول وتُهدر الطاقات البشرية، فإننا لا نخسر مجرد أفراد، بل نخسر البوصلة التي تقود الوطن نحو المستقبل. الاستثمار في الإنسان والاعتراف بقيمته هو حجر الزاوية لأي نهضة حقيقية، وبدونه يبقى كل حديث عن التنمية مجرد شعارات جوفاء
مدير تحرير الأسبوع : يحذر من استنساخ “السيناريو العراقي” في السودان ويدعو للجان تحقيق عربية – أفريقية
حذر مدير تحرير صحيفة الأسبوع المصرية ، الخبير في الشأن السوداني وأفريقيا جنوب الصحراء الأس…




