السودان… كيف تُصنع الشائعة؟
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في المقال السابق انتهينا إلى سؤال بدا وكأنه يتعلق بالأفراد…
لماذا نصمت حين يجب أن نتكلم؟
لكن الصمت لا يبقى صامتًا طويلًا.
فحين يغيب الكلام… لا يبقى الفراغ فارغًا.
بل يمتلئ.
وأول ما يملأه…
هو الشائعة.
ولهذا ربما أخطأنا طويلًا حين اعتقدنا أن الشائعة تبدأ بكاذب.
فالواقع أكثر تعقيدًا.
الشائعة لا تبدأ بمن اخترعها…
بل تبدأ بالمكان الذي وجدها تستقر فيه.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
أولًا… الشائعة لا تبحث عن الحقيقة
حين يسمع الناس كلمة “شائعة”، يتبادر إلى أذهانهم خبر كاذب.
لكن هذا ليس جوهر الشائعة.
فالكذب موجود منذ آلاف السنين.
أما الشائعة فلا تتحول إلى قوة اجتماعية إلا عندما تجد مجتمعًا يحتاج إليها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
من أطلق الشائعة؟
بل:
لماذا وجد الناس سببًا لتصديقها؟
فالخبر الكاذب قد يولد كل يوم.
لكن أغلب الأخبار الكاذبة تموت في ساعات.
أما الشائعة التي تعيش…
فلأن البيئة احتاجتها.
ثانيًا… فجوة التعبير
ربما يكون أخطر ما أنتجه المجال العام السوداني خلال السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته بـ:
فجوة التعبير.
وهي اللحظة التي تتسع فيها المسافة بين ما يريد الناس أن يعرفوه…
وما يجدونه من معلومات.
وبين ما يشعرون به…
وما يستطيعون قوله.
وبين ما يحدث في الواقع…
وما يقال عنه.
كلما اتسعت هذه الفجوة…
بدأ العقل في البحث عن تفسير.
فإذا لم يجد تفسيرًا موثوقًا…
اخترع تفسيرًا محتملًا.
وهنا لا تُصنع الشائعة لأنها مقنعة…
بل لأنها تملأ فراغًا.
ولهذا فإن الشائعة ليست ابنة الكذب…
بل ابنة الصمت.
وابنة الغموض.
وابنة فجوة التعبير.
ثالثًا… السودان حين أصبحت الأسئلة أكثر من الإجابات
منذ عام ٢٠١٨م دخل السودان مرحلة أصبحت فيها الأسئلة تتكاثر أسرع من الإجابات.
ثم جاءت الحرب…
فتضاعفت الفجوة.
أخبار متناقضة.
مصادر متعددة.
انقطاع للمعلومات.
خطابات متنافسة.
روايات متعارضة.
وفي أوقات كثيرة لم يكن المواطن يفتقد الخبر فقط…
بل كان يفتقد الجهة التي يثق بأنها تقول الحقيقة كاملة.
وهنا بدأت الشائعة تؤدي وظيفة لم تجد من يؤديها.
لقد أصبحت…
تفسيرًا مؤقتًا للغموض.
رابعًا… لماذا تنتشر الشائعة بسرعة؟
ليس لأنها صحيحة.
بل لأنها غالبًا تجيب بسرعة.
والإنسان لا يحتمل الغموض طويلًا.
فعندما يتأخر التفسير الرسمي…
يتقدم التفسير الشعبي.
وعندما يغيب البيان…
يتكلم الواتساب.
وعندما تتأخر المعلومة…
تصل الرواية.
ولهذا فإن الشائعة لا تنتظر الأدلة.
إنها تنتظر الفراغ.
ولهذا أيضًا نجد أن أكثر البيئات إنتاجًا للشائعات ليست المجتمعات الأكثر كذبًا…
بل المجتمعات الأكثر غموضًا.
ليست كل شائعة قابلة للحياة. فكما تحتاج البذرة إلى تربة مناسبة، تحتاج الشائعة إلى بيئة نفسية واجتماعية تستقبلها. وكلما وافقت مخاوف الناس، أو أكدت قناعاتهم السابقة، أو قدمت تفسيرًا سريعًا لما استعصى عليهم فهمه، ازدادت فرص بقائها. ولهذا لا تعيش الشائعة لأنها صحيحة، بل لأنها تجد ما يغذيها في وعي المجتمع قبل أن تجد ما يثبتها في الواقع.
خامسًا… الشائعة ليست مشكلة إعلام
وهنا يقع كثير من الناس في خطأ كبير.
يظنون أن الشائعة مشكلة إعلامية.
بينما هي في حقيقتها…
مشكلة ثقة.
ومشكلة مؤسسات.
ومشكلة اتصال.
ومشكلة شفافية.
فحين تصبح المعلومات الموثوقة متاحة…
تنكمش مساحة الشائعة تلقائيًا.
أما حين تصبح الحقيقة نفسها بعيدة…
فإن المجتمع يبدأ في سد الفراغ بما يستطيع.
وليس بما ينبغي.
سادسًا… أخطر ما تفعله الشائعة
الخطر الحقيقي ليس أن تجعل الناس يصدقون خبرًا غير صحيح.
بل أن تجعلهم يشكون في كل شيء.
فبعد تكرار الشائعات…
لا تضيع الحقيقة وحدها.
بل تضيع الثقة بالحقيقة.
وحينها يصبح الخبر الصحيح…
والخبر الكاذب…
متساويين في نظر الجمهور.
وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي مجال عام.
لأن المجتمع الذي لا يثق في شيء…
يمكن أن يصدق أي شيء.
#أصل_القضية،،،
ليست الشائعة مجرد قصة تنتقل بين الناس.
إنها مؤشر.
مؤشر على وجود مساحة لم تستطع الحقيقة أن تملأها.
ومؤشر على وجود سؤال تأخر جوابه.
ومؤشر على وجود فجوة بين المجتمع ومن يملك المعلومة.
ولهذا فإن مقاومة الشائعة لا تبدأ بتكذيبها…
بل تبدأ بتقليص الحاجة إليها.
فكلما ضاقت فجوة التعبير…
تراجعت الشائعة.
وكلما حضرت الحقيقة في وقتها…
فقدت الشائعة سبب وجودها.
وربما لهذا…
لم تكن الشائعة، في السودان، مجرد مشكلة تواصل.
بل كانت، في كثير من الأحيان، مرآة تعكس أزمة أعمق…
أزمة الثقة بين المجتمع والحقيقة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينتظرنا في المقال القادم ليس:
كيف تنتشر الشائعة؟
ولا:
من يطلقها؟
بل السؤال الذي يسبق ذلك كله:
لماذا يصدق الناس ما يريدون أن يصدقوه؟
مدير تحرير الأسبوع : يحذر من استنساخ “السيناريو العراقي” في السودان ويدعو للجان تحقيق عربية – أفريقية
حذر مدير تحرير صحيفة الأسبوع المصرية ، الخبير في الشأن السوداني وأفريقيا جنوب الصحراء الأس…




