‫الرئيسية‬ مقالات ما تحتاجه بلادي… فكرًا وعملًا
مقالات - ‫‫‫‏‫21 ثانية مضت‬

ما تحتاجه بلادي… فكرًا وعملًا

د. ميمونة سعيد باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

هناك أوطان تصنعها الجغرافيا، وهناك أوطان يصنعها التاريخ، أما السودان فقد اجتمعت له الجغرافيا والتاريخ معًا، ثم أضاف الله إليه من الخيرات ما لو أُحسن استثماره لأصبح منارةً للقارة الإفريقية والعالم العربي. فهو بلد تتعانق فيه الأنهار، وتتسع فيه السهول، وتتنوع فيه البيئات، وتزخر أرضه بالذهب والنفط والمعادن، وتفيض حقوله بالخير، ويملك ثروة حيوانية تُعد من الأكبر في المنطقة، فضلًا عن شعبٍ عُرف بكرم أخلاقه، وصبره، وشجاعته، وقدرته على النهوض بعد كل محنة.
ومع ذلك، فإن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات، بل بما تمتلكه من عقول تُحسن إدارتها. فكم من دولٍ فقيرة في مواردها أصبحت من أغنى دول العالم بحسن الإدارة، وكم من دول غنية أهدرت فرصها عندما غابت عنها الرؤية، وضعف فيها التخطيط، وتقدمت المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية.

 

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى من يعدد مشكلاته، فقد أثقلتها السنوات بالحروب والأزمات والانقسامات، وإنما يحتاج إلى من يصنع الحلول، ويغرس الأمل، ويؤمن بأن هذا الوطن أكبر من كل خلاف، وأبقى من كل صراع، وأن مستقبل الأجيال القادمة يستحق أن نختلف من أجله في الرأي، لا أن نختلف عليه في الوطن.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض إلا عندما يتحول حب الوطن إلى ثقافة عمل، وإلى مشروع يومي يبدأ من الموظف في مكتبه، والمعلم في فصله، والطبيب في مستشفاه، والمزارع في حقله، والجندي في موقعه، والباحث في مختبره، والمسؤول في موقع اتخاذ القرار. فكل واحد منهم يحمل حجرًا في بناء هذا الوطن الكبير، وإذا أتقن كل إنسان عمله، فإن الوطن كله ينهض.

 

هذا هو السودان الذي نعرفه… السودان الذي يقف أبناؤه بشموخ الأهرامات في شماله، صامدين أمام تقلبات الزمان، ويتدفق في عروقهم النيل كما يتدفق في أرضهم، رابطًا بين أطراف البلاد، وحاملًا رسالة وحدة لا ينبغي أن تنكسر. وفي غرب السودان تتناثر الثروات كما تتناثر حبات العقد النفيس بين الجبال والوديان، بينما يقف وسط البلاد ثابتًا كشجرة التبلدية، ضاربةً بجذورها في الأرض، شاهدةً على تاريخ طويل من الصبر والثبات والعطاء.

 

وفي كل شبر من هذا الوطن رجال ونساء يعملون بعيدًا عن الضجيج، لا يتصدرون المشهد، ولا يبحثون عن التصفيق، بل يؤمنون بأن قيمة الإنسان فيما ينجزه لا فيما يقوله. إنهم يعملون كما تعمل خلايا النحل؛ بتنظيم، وإخلاص، وانضباط، واضعين الوطن نصب أعينهم، مؤمنين بأن النجاح الحقيقي هو أن يشعر المواطن بأن حياته أصبحت أفضل، وأن وطنه يسير إلى الأمام.
ولعل أكثر ما يحتاجه السودان في هذه المرحلة هو أن يفتح أبوابه للكفاءات، وأن يجعل معيار التقدم هو العلم والخبرة والنزاهة، لا الانتماءات الضيقة أو المصالح الآنية. فالكفاءات الوطنية هي الثروة التي لا تنضب، وهي القادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والرؤى إلى واقع، والطموحات إلى مشروعات تنعكس آثارها على حياة الناس.
ومن بين الكفاءات السودانية التي برزت في مجالاتها يأتي الدكتور أسامة الفاتح العمري، الذي يُعرف بجمعه بين التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية، وباهتمامه بالقضايا الوطنية من منظور علمي وإداري. ومثل هذه النماذج، وغيرها من أبناء السودان المخلصين، تمثل رصيدًا يمكن أن يسهم في بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وفي تعزيز ثقافة التخطيط والعمل المؤسسي، متى ما أُتيحت لها الفرصة للمشاركة والعطاء. فالأوطان لا تُبنى بالأفراد وحدهم، لكنها تحتاج إلى كل صاحب علم وخبرة وإخلاص ليؤدي دوره في خدمة المصلحة العامة.
ولا يكتمل الحديث عن السودان دون الوقوف إجلالًا أمام شهدائه، وجرحاه، وأسرى الحروب، وكل من قدم تضحيات في سبيل أن يبقى الوطن قائمًا. فدماؤهم ليست مجرد صفحات في كتاب التاريخ، بل هي أمانة في أعناق الأحياء، تفرض عليهم أن يجعلوا من السلام والتنمية والعدالة أهدافًا لا تقبل المساومة، وأن يبنوا وطنًا يليق بمن بذلوا أرواحهم من أجله.
إن ما تحتاجه بلادي ليس معجزة، وإنما إرادة وطنية صادقة، تقرأ المستقبل بعين العلم، وتدير الحاضر بعقل الحكمة، وتستلهم الماضي بروح الوفاء. تحتاج إلى مؤسسات قوية، وعدالة راسخة، وتعليم يواكب العصر، واقتصاد منتج، وإدارة حديثة، وإعلام مسؤول، وشباب يؤمن بأن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه فحسب، بل رسالة نحملها للأجيال القادمة.

 

سيظل السودان أكبر من أزماته، وأغنى من محنه، وأقوى من كل من يراهن على ضعفه. وستبقى هذه الأرض، بما فيها من إنسان وخير وتاريخ، قادرة على النهوض من جديد متى ما اجتمعت الكلمة، وصفت النيات، وأصبح العمل قيمةً لا شعارًا، والإخلاص منهجًا لا استثناءً. فالسودان يستحق أن نحلم به كبيرًا، وأن نعمل من أجله بإخلاص، وأن نورث أبناءنا وطنًا أكثر أمنًا، وأكثر استقرارًا، وأكثر ازدهارًا، لأن الأوطان العظيمة لا يصنعها الحظ، وإنما تصنعها العقول الواعية، والسواعد الأمينة، والقلوب التي لا تعرف إلا حب الوطن.

‫شاهد أيضًا‬

يحتفي بجمعهم إبليس..التمرد وأذنابه رهط السوء..

*عبارة من أين أتي هؤلاء التي أطلقها الاديب الروائي العالمي الطيب صالح رحمه الله، وكان (نعت…