عسجد ومحولات المدفوعات.. محاولة للفهم
د.ياسر يوسف إبراهيم

استأثرت قضية منح بنك السودان المركزي أول رخصة لتشغيل محول للمعاملات المالية ومنصة للمدفوعات الرقمية لشركة «عسجد» باهتمام الرأي العام، حتى كادت تطغى على التطورات الميدانية التي تجري في ولاية غرب دارفور، بكل ما تحمله من دلالات عسكرية وسياسية تتصل بمستقبل معركة الكرامة. ولا غرابة في ذلك، فالقضية على حداثتها تمس جانباً مهماً من البنية التحتية للاقتصاد الوطني، كما أنها تتصل بصورة أو بأخرى بقدرة الدولة على إدارة مواردها عبر تعزيز كفاءة مؤسساتها وتعبئة إمكاناتها في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ولعل أول ما يلفت النظر في النقاش الذي دار حول هذه الخطوة أنه تجاوز في كثير من الأحيان حدوده الفنية، لينقسم بين من رأى فيها تطوراً طبيعياً في مسار التحول الرقمي، ومن اعتبرها تفريطاً في إحدى البنى التحتية السيادية للدولة. غير أن الملاحظة الأهم، في تقديري هي أن معظم هذا الجدل انطلق من مفهوم لم يكن واضحاً لدى كثير من المتابعين، وهو: ما هو محول المدفوعات؟ وما الدور الذي يؤديه داخل النظام المالي؟
والإجابة المباشرة أن محول المدفوعات ليس بنكاً، ولا يحتفظ بأموال العملاء، ولا يمنح قروضاً أو يقبل ودائع، وإنما هو منصة تقنية تتولى إدارة حركة أوامر الدفع والتحويل بين البنوك والمحافظ الإلكترونية وشركات الدفع، تماماً كما ينظم مركز التحكم حركة المرور وانتقال المركبات بين الطرق المختلفة في مدينة ما . فعندما يحول عميل في أحد البنوك مبلغاً إلى عميل في بنك آخر، أو يسدد قيمة مشترياته عبر تطبيق إلكتروني، فإن المحول هو الذي يتولى توجيه العملية إلى وجهتها الصحيحة، بينما تبقى الأموال نفسها داخل النظام المصرفي، وتجري تسويتها وفق الآليات التي يشرف عليها بنك السودان المركزي.
ولفهم أهمية هذه الوظيفة يكفي أن نتخيل كيف تُدار عمليات التحويل بين البنوك العاملة في السودان، والتي يبلغ عددها اليوم ثمانية وثلاثين بنكاً. فلو أراد كل بنك أن يرتبط مباشرة بكل بنك من البنوك الأخرى لاحتاج إلى عشرات الوصلات والأنظمة المختلفة، وهو أمر شديد الصعوبة من الناحية الفنية، وعالي الكلفة من الناحية الاقتصادية. لذلك اتجهت دول العالم منذ عقود إلى إنشاء محول وطني ترتبط به جميع البنوك، فيتولى إدارة حركة المدفوعات فيما بينها بسرعة وأمان وكفاءة، وأصبح مع مرور الزمن جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، شأنه في ذلك شأن شبكات الكهرباء أو الاتصالات أو الطرق.
وغني عن القول إن الدول لم تتفق على نموذج واحد لإدارة هذه البنية، وإنما استقرت التجارب الدولية على ثلاثة نماذج رئيسية.
يقوم النموذج الأول على أن يتولى البنك المركزي بنفسه تشغيل الأنظمة الأساسية للمدفوعات والتسوية، باعتبارها جزءاً من وظائفه السيادية التي لا يجوز التفريط فيها، وهو النموذج الذي تأخذ به دول مثل الصين والمملكة العربية السعودية، حيث يجمع البنك المركزي بين مسؤولية التنظيم والتشغيل المباشر للأنظمة الرئيسة.
أما النموذج الثاني، فيقوم على إنشاء شركة وطنية مملوكة للمصارف، تعمل تحت إشراف البنك المركزي ورقابته، بحيث تتولى التشغيل الفني بينما يحتفظ البنك المركزي بكامل سلطاته التنظيمية والرقابية. ويُعد النموذج الهندي من أنجح التجارب في هذا المجال، إذ تدير الشركة الوطنية للمدفوعات (NPCI) مليارات العمليات شهرياً، وأصبحت أحد أهم أسباب الطفرة التي شهدها الاقتصاد الرقمي الهندي خلال السنوات الأخيرة.
أما النموذج الثالث، وهو الأقرب إلى ما يبدو أن بنك السودان يتجه إليه، فيقوم على منح تراخيص لشركات خاصة لتشغيل بعض مكونات منظومة المدفوعات، مع احتفاظ البنك المركزي وحده بوضع السياسات، وإصدار اللوائح، ومنح التراخيص، واعتماد الأنظمة، والإشراف والرقابة، والتسوية النهائية بين البنوك. وتأخذ بهذا النموذج، بدرجات متفاوتة، دول مثل تركيا والمملكة المتحدة، حيث يشارك القطاع الخاص في الجوانب التشغيلية، بينما تبقى السيادة على النظام المالي بيد الدولة ومؤسساتها التنظيمية.
وقظ حاول بنك السودان المركزي طمأنة الرأي العام عقب الجدل الذي أثارته الرخصة ببيانه الذي أكد علي لم يتنازل عن صلاحياته وإنما احتفظ بكامل سلطاته في وضع السياسات وإصدار اللوائح، ومنح التراخيص والإشراف والرقابة، كما أوضح أن منح الترخيص لا يمنح الشركة حقاً تلقائياً في التعامل مع المصارف، إذ لا يجوز لأي ربط تقني أو تشغيل فعلي إلا بعد موافقة كتابية مسبقة من البنك المركزي، وأن تعدد الجهات المرخص يعني توجه البنك نحو المنافسة وتقليل المخاطر التشغيلية، وليس منح احتكار لشركة بعينها.
ومع ذلك، فإن البيان على أهميته لم يجب عن جميع الأسئلة التي تشغل الرأي العام وتثير مخاوفه ، وهي أسئلة لا تسعي بالضرورة إلي الإعتراض على مشروع بعينه أو التشكيك في جهة بعينها، ولكنها أسئلة تتعلق بمتطلبات الشفافية التي تفرضها طبيعة هذه البنية الحساسة. فمن المشروع أن يتساءل الناس: أين ستُستضاف بيانات المعاملات المالية؟ ومن يملك مفاتيح التشفير؟ وما الذي سيبقى من اختصاصات شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) التي أدارت هذه المنظومة سنوات طويلة؟ وهل ستكون الرخصة متاحة مستقبلاً لشركات أخرى تستوفي المعايير نفسها، أم أن السوق سيتجه عملياً إلى الاحتكار؟ وما هي خطة استمرارية الأعمال إذا تعرض المشغل لعطل فني، أو لهجوم سيبراني، أو لتعثر مالي؟
والمتابع للتجارب الدولية يدرك أن هذه الأسئلة ليست خاصة بالسودان وحده ، بل تُطرح في كل دولة عندما يتعلق الأمر ببنية تحتية تمر عبرها ملايين المعاملات المالية يومياً، لأن نجاح أي نظام للمدفوعات يقوم على جناحي التكنولوجيا والثقة، والثقة لا تُبنى بالشعارات ولا بالمؤتمرات الصحفية، وإنما تُبنى بالإفصاح عن معايير الترخيص، وضمانات حماية البيانات، وخطط الطوارئ، وآليات الرقابة والمساءلة.
ولهذا فإن القضية، في تقديري، ليست قضية «عسجد» في ذاتها، ولا هي دفاع عن شركة أو اعتراض عليها، وإنما هي سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة البنية التحتية المالية للدولة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد. فإذا بقيت السياسات والتنظيم والرقابة والتسوية النهائية بيد بنك السودان المركزي، كما أكد بيانه، وكانت معايير الترخيص والحوكمة معلنة وشفافة، فإن إشراك القطاع الخاص في بعض الجوانب التشغيلية ليس أمراً غير مسبوق في التجارب الدولية. أما إذا غابت الشفافية، أو ضعفت الرقابة، أو أصبحت الدولة معتمدة اعتماداً كاملاً على مشغل واحد لا تملك السيطرة الفنية على بنيته الأساسية، فإن مصدر القلق سيكون قائما ومستمرا .
ولذلك فإن النقاش الذي يحتاجه السودان اليوم لا ينبغي أن ينحصر في السؤال: هل نحن مع «عسجد» أم ضدها؟ وإنما ينبغي أن يتجه إلى سؤال أكثر عمقاً وأبعد أثراً: وهو كيف نضمن أن تظل الدولة ممسكة بمفاتيح التنظيم والرقابة وحماية البيانات، مع فتح المجال في الوقت نفسه للمنافسة والابتكار؟
والإجابة علب هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل الاقتصاد الرقمي في السودان، أياً كان اسم الشركة التي تتولى جانباً من تشغيله.
سجل الانتصارات .. الكرمك تعود إلى حضن الوطن
جيشنا الباسل يحرز نصرا جديداً واستراتيجيا بطعم المجد والرفعة باسترداد الكرمك الي حضن الوطن…





