‫الرئيسية‬ مقالات السودان في يوم البيئة: جراح الحرب وحتمية التعافي الأخضر
مقالات - ‫‫‫‏‫21 ساعة مضت‬

السودان في يوم البيئة: جراح الحرب وحتمية التعافي الأخضر

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

يتزامن اليوم العالمي للبيئة مع منعطف تاريخي حرج يمر به كوكب الأرض، حيث تتصاعد أزمات المناخ وتتسارع الجهود الدولية لتدارك الكارثة. وفي غمرة هذه الجهود الإقليمية والدولية، يبرز السودان كحالة صارخة ومؤلمة تداخلت فيها كوارث الطبيعة مع مآسي الحروب والنزاعات المسلحة، مما جعل البيئة السودانية “الضحية الصامتة” التي تنزف خلف خطوط المواجهة، مهددة بالقضاء على مقومات الحياة الأساسية للأجيال القادمة.

قبل اندلاع النزاع الأخير، كان السودان يعاني بالفعل من هشاشة بيئية واضحة مدفوعة بالتغيرات المناخية والضغط السكاني وسوء إدارة الموارد. وتتمثل أبرز ملامح هذه الظروف في الزحف الصحراوي والجفاف بتآكل الأحزمة الشجرية وتراجع الغطاء النباتي في مناطق واسعة من شمال وكردفان ودارفور، مما أدى إلى تقليص الأراضي الصالحة للزراعة والرعي، واضطراب معدلات الأمطار بتذبذب مواسم الأمطار بين الجفاف الحاد والفيضانات السيالة التي تدمر القرى والبنى التحتية الزراعية، مما يهدد الأمن الغذائي لبلد يعتمد غالبية سكانه على الزراعة المطرية التقليدية، وتدهور التربة والتنوع البيولوجي بالرعي الجائر، والقطع الجائر للأشجار بغرض التجريد والوقود، مما أسهم في تراجع التنوع الإحيائي وفقدان نظم بيئية كاملة.

جاءت الحرب الدائرة لتضرب ما تبقى من مرونة بيئية في مقتل، حيث تجاوزت آثارها الدمار البشري والعمراني المباشر لتحدث تخريباً عميقاً وبعيد المدى في النظم البيئية، بالتلوث الكيميائي والصناعي، حيث شهدت المناطق الصناعية في الخرطوم بحري، وأم درمان، وجياد قصفاً مستمراً أدى إلى احتراق مخازن المواد الكيميائية، ومصانع البلاستيك، والمستودعات النفطية. هذا الاحتراق أطلق سحباً كثيفة من الغازات السامة (مثل أكاسيد الكربون والكبريت والديوكسينات)، وتسببت المقذوفات في تسرب مواد ثقيلة وسامة إلى التربة والمياه الجوفية، وهو ما يهدد بظهور أمراض سرطانية وتنفسية مزمنة على المدى الطويل، الى جانب انهيار نظام إدارة النفايات والأوبئة، وتوقف عمليات جمع النفايات الصلبة والطبية في المدن الكبرى أدى إلى تراكم آلاف الأطنان من المخلفات في الأحياء السكنية وعلى ضفاف النيل. ومع هطول الأمطار، تتحول هذه النفايات إلى بؤر لتكاثر ناقلات الأمراض، وتتسرب سمومها مباشرة إلى مجرى النيل، المصدر الرئيسي لمياه الشرب، والتدمير الممنهج للغطاء النباتي والغابات بسبب انقطاع سلاسل إمداد غاز الطهي والكهرباء، لجأ ملايين النازحين والمواطنين إلى قطع الأشجار في الغابات المحيطة بالمدن والولايات الآمنة لاستخدامها كوقود وحطب للاستخدام اليومي والتجاري، مما أحدث تعرية غير مسبوقة للتربة وفتح الباب على مصراعيه لموجات تصحر جديدة.

شهادة بيئية: “إن الحرب في السودان لا تقتل البشر برصاصها ومقذوفاتها فحسب، بل تسمم الهواء والماء والتربة ببطء، مما يجعل البيئة السودانية بيئة طاردة وغير قابلة للحياة لسنوات قادمة إذا لم يتم التدخل العاجل.”

إن الانتقال بالسودان من مرحلة الدمار البيئي إلى مرحلة التعافي يتطلب إستراتيجية وطنية وإقليمية شاملة ترتكز على عدة محاور فورية ومتوسطة المدى:

إجراء تقييم بيئي شامل بعد النزاع (Post-Conflict Environmental Assessment): بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) لتحديد حجم التلوث الكيميائي، ومناطق انتشار النفايات الخطرة، ووضع الخرائط العلاجية.

إعادة تأهيل قطاع المياه والصرف الصحي: إعطاء الأولوية القصوى لإصلاح محطات تنقية المياه، وشبكات الصرف الصحي لمنع اختلاط الملوثات بمياه الشرب، والحد من انتشار الأوبئة كالكوليرا والملاريا.

التحول نحو الطاقة المتجددة في إعادة الإعمار: الاستفادة من تدمير شبكات الكهرباء القديمة لبناء منظومات طاقة شمسية وطاقة رياح لمشاريع ضخ المياه، والإنارة، والمنشآت الصحية والتعليمية، تحقيقاً لمفهوم “إعادة البناء بشكل أفضل وأخضر”.

مشاريع التشجير وإعادة تأهيل الغابات: إطلاق حملات قومية مدعومة دولياً لإعادة استزراع الأحزمة الخضرية والغابات المحجوزة التي تضررت خلال فترة النزاع.

لا يمكن تحقيق أي اختراق في ملف البيئة في السودان بمعزل عن دور محوري ومزدوج للإعلام ومنظمات المجتمع المدني. وفي هذا الصدد، تشكل الفعاليات الإقليمية نموذجاً ملهماً يمكن القياس عليه والاستفادة منه؛ حيث انطلقت مؤخراً فعاليات “الحوار الأخضر 2026” بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، بتنظيم من وحدة التحقق والمصادقة البيئية وبشراكة إعلامية مع منصة “المستقبل الأخضر” تحت مظلة هيئة الطاقة الذرية المصرية.

هذا الحوار، الذي جمع نخبة من الخبراء وصنّاع القرار (مثل الدكتور عمرو الحاج، والمهندسة ليديا عليوة، والدكتور صلاح الحجار)، ناقش محاور حيوية يمكن إسقاطها بشكل مباشر على الواقع السوداني لإنتاج آليات حلول عملية: التكامل بين محاور “الحوار الأخضر 2026” واحتياجات الواقع السوداني، ومنها المعرفة من أجل المناخ (دور الإعلام) بصياغة خطاب إعلامي سوداني متخصص (إعلام بيئي) يوثق الانتهاكات البيئية الناتجة عن الحرب، ويرفع الوعي المجتمعي بطرق التخلص الآمن من النفايات، والتعامل مع المياه الملوثة في ظل غياب الدولة.

التكنولوجيا والتحقق البيئي

الاستفادة من الخبرات الإقليمية في استخدام التقنيات الحديثة (مثل تقنيات الاستشعار عن بعد والتكنولوجيا الإشعاعية والسلمية) لمراقبة التلوث، وفحص التربة والمياه في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية.

الأبعاد الإنسانية للتغير المناخي

تسليط الضوء على العلاقة الطردية بين تدهور البيئة وموجات النزوح البشري، والعمل على دمج المعايير البيئية في معسكرات ومراكز إيواء النازحين لضمان كرامتهم الإنسانية وصحتهم.

تحويل التوصيات إلى خطط تنفيذية

بناء جسور تعاون بين منظمات المجتمع المدني السودانية والجهات الأكاديمية والبحثية الإقليمية لضمان عدم بقاء الحلول حبراً على ورق، وتحويلها لبرامج إغاثية بيئية ميدانية.

على منظمات المجتمع المدني المحلية، رغم ظروف التشريد والتضييق، أن تلعب دور “الحارس البيئي”، من خلال:

رصد وتوثيق الجرائم البيئية الناجمة عن العمليات العسكرية لتقديمها في المحافل الدولية.

قيادة المبادرات الشبابية الطوعية لتنظيف الأحياء، وإدارة النفايات المنزلية، وتوزيع معقمات المياه.

الضغط على أطراف النزاع لتجنيب المنشآت الحيوية (مثل محطات المياه ومستودعات الصرف الصحي والمحميات الطبيعية) القصف والاستهداف.

إن حماية بيئة السودان وإعادة إعمارها على أسس خضراء ليست رفاهية تملكها النخب، بل هي معركة وجود حقيقية ترتبط بحق الإنسان السوداني في الحياة، وفي الحصول على جرعة ماء نظيفة، ونفس هواء نقي، وأرض صالحة للزراعة. إن استلهام روح المبادرات الإقليمية كـ “الحوار الأخضر” والعمل على تطبيق مخرجاتها التكنولوجية والإعلامية يمثل طوق النجاة لبناء سودان الغد؛ سودانٌ يتعافى من جراح الحرب، ويزدهر بنموذجه الأخضر المستدام.

‫شاهد أيضًا‬

الريف السوداني: ركيزة البعث ونواة الإعمار الأخضر

Ghariba2013@gmail.com بينما يستعد العالم لإحياء النسخة السنوية الثانية لليوم العالمي للتنم…