‫الرئيسية‬ مقالات هدنة إنقاذ وتموضع 
مقالات - ‫‫‫‏‫دقيقتان مضت‬

هدنة إنقاذ وتموضع 

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في مشهدٍ سياسيٍ وعسكريٍ بالغ التعقيد، يطل قائد مليشيات الدعم السريع بطلب هدنةٍ بعد سلسلة ضربات موجعة تلقتها قواته في مختلف المحاور، وفشلها في تحقيق هدفها الأكبر المتمثل في إسقاط مدينة الأبيض. هذا الطلب لم يأتِ من فراغاً،ولم تُطرح حرصاً على المواطن الذي أذاقته هذه المليشيات الأمرّين،بل جاءت محمّلةً برسائل سياسية وعسكرية ومصحوبةً بمحاولةٍ لإعادة ترتيب الصفوف وإعادة التموضع في وقتٍ تتساقط فيه أوراق القوة واحدةً تلو الأخرى. هذا الطلب يكشف بجلاء أنّ المليشيات باتت في مأزقٍ عميق وأنّها تبحث عن متنفسٍ يعيد إليها بعضاً من القدرة على المناورة بعد أن فقدت زمام المبادرة على الأرض وأمام ضربات الجيش السوداني التي أرهقتها وأفقدتها القدرة على التقدم

 

إنّ مطالبة قائد مليشات الدعم السريع للأمم المتحدة بإلزام الحكومة السودانية بالهدنة ليست سوى محاولةٍ للضغط عبر البوابة الدولية في وقتٍ تدرك فيه أنّ ميزان القوة يميل لصالح الدولة السودانية وأنّ الدعم الإقليمي والدولي يقف إلى جانبها وهذا الطلب الذي تشير المعطيات إلى أنّه جاء بإيعازاً من الإمارات يعكس رغبةً خارجيةً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر فرض تدخلٍ دوليٍ يتيح للمليشيات إعادة التموضع لكنّ الحقيقة أنّ هذه الأوراق باتت مكشوفة وأنّ المليشيات تقترب من الانهيار الكامل وأنّ أي هدنةٍ في هذا التوقيت لن تكون سوى فرصةٍ لإعادة تجميع الصفوف وإطالة أمد الأزمة وهو ما يجب أن تدركه الحكومة السودانية جيداً.

 

لقد أثبتت التجارب أنّ أي هدنةٍ مع هذه المليشيات لا تُترجم إلى سلاماً بل إلى استراحة محاربٍ سرعان ما يعود إلى ساحة القتال بأدواتٍ جديدة لذلك فإنّ الموقف الوطني الرصين يقتضي رفض هذه الهدنة رفضاً قاطعاً والتمسك بخيار الدولة القوية التي لا تقبل المساومة على سيادتها ولا تسمح بوجود سلاحٍ خارج إطارها الشرعي فالمعادلة واضحة كلما طال أمد الصراع زادت معاناة المدنيين وتفاقمت الأزمات الإنسانية بينما الحل الحقيقي يكمن في الحسم وفي إنهاء وجود هذه المليشيات كقوةٍ موازيةٍ للدولة.

 

إنّ السودان اليوم يقف أمام لحظةٍ فارقة لحظةٍ تتطلب وضوحاً في الرؤية وصلابةً في الموقف وإدراكاً بأنّ أي تراجعٍ أو تنازلٍ سيُقرأ ضعفاً وسيُستغل لإعادة إنتاج الأزمة لذلك فإنّ الخيار الأوحد هو المضي قدماً في مواجهة هذه المليشيات حتى انهيارها الكامل وعدم الاستعاضة بالحلول المؤقتة التي لا تجلب سوى مزيداً من الدماء والدمار.

 

إنّ طلب الهدنة ليس سوى محاولةٍ يائسةٍ لإطالة عمر أزمةٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة ومحاولةٍ خارجيةٍ لفرض أجندةٍ لا تخدم السودان ولا شعبه والرد الأمثل هو التمسك بالثوابت الوطنية والإصرار على أنّ لا صوت يعلو فوق صوت الدولة ولا قوة تتقدم على قوة الجيش ولا هدنة تُمنح لمن اختار طريق السلاح والفوضى .

 

إنّ رفض الهدنة ليس خياراً سياسياً فحسب بل هو واجبٌ وطنيٌ وأخلاقيٌ يفرضه الواقع ويؤكده التاريخ ويستلزمه مستقبل السودان الذي لا يمكن أن يُبنى على مساوماتٍ مع مليشياتٍ فقدت شرعيتها وفقدت قدرتها على البقاء إنّ السودان لا يحتاج إلى هدنةٍ تُعيد إنتاج الأزمة بل يحتاج إلى حسمٍ يُنهيها وإلى موقفٍ صلبٍ يُعيد للدولة هيبتها ويُثبت للعالم أنّ السودان دولةٌ لا تُكسر ولا تُساوم ولا تُخضع.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

الريف السوداني: ركيزة البعث ونواة الإعمار الأخضر

Ghariba2013@gmail.com بينما يستعد العالم لإحياء النسخة السنوية الثانية لليوم العالمي للتنم…