‫الرئيسية‬ مقالات يوم البيئة في سودان ما بعد الحرب: من الخراب إلى التعافي الأخضر
مقالات - ‫‫‫‏‫3 دقائق مضت‬

يوم البيئة في سودان ما بعد الحرب: من الخراب إلى التعافي الأخضر

فضل المولى بدوي زايد

احتفي العالم باليوم العالمي للبيئة الذي يوافق 5 يونيو من كل عام، وهو اليوم أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1972 لتذكير الحكومات والشعوب بأن تدهور البيئة يساوي تدهور الصحة والاقتصاد والأمن. ومن خلاله تحاول الحكومات تحويل الشعار السنوي إلى مشاريع على الأرض. وفي كل عام يركز الاحتفال على قضية محددة: التلوث البلاستيكي، أو التصحر، أو استعادة النظم البيئية.

إن البيئة قضية عابرة للحدود. فغبار السودان يصل إلى السعودية، ودخان الحرائق يؤثر على المناخ العالمي.

وهو ليس يوم عطلة، بل هو يوم “مراجعة الحكومات والشعوب حسابها” مع كوكبنا.

السودان دولة غنية بالتنوع البيئي، من ساحل البحر الأحمر، إلى السافنا، إلى الصحراء، إلى أراضي النيل. وهو طرف في أهم ثلاث اتفاقيات: اتفاقية التنوع الحيوي، واتفاقية تغير المناخ، واتفاقية مكافحة التصحر، وذلك منذ قمة ريو عام 1992.

وقد عمل من قبل مع اليونيب في مشروع “تقييم البيئة ما بعد النزاع في دارفور”. ومع برنامج الأمم المتحدة للتنمية في مشاريع حصاد المياه ومكافحة التصحر في كردفان. ومع اليونيسيف في مشاريع مياه الشرب والصرف الصحي.

واجه السودان في السنوات الماضية من تاريخه الجفاف، والزحف الصحراوي، وقطع الغابات للفحم، والتعدين العشوائي للذهب باستخدام الزئبق والسيانيد.

وقد ظل السودان دائماً يطرح قضية “النازحين بسبب المناخ” في المحافل الدولية باعتبارها قضية تستحق الوقوف عندها.

إن حرب الخامس عشر من أبريل الدائرة رحاها حتى الآن قد ضاعفت كل المشاكل البيئية القديمة وأضافت كوارث جديدة، بتلوث التربة والمياه نتيجة تسرب الوقود والزيوت من المولدات والمصانع والمركبات المدمرة. كما أن استخدام الذخائر أدى إلى تلوثها بالمعادن الثقيلة.

كذلك أدت الحرب إلى انهيار خدمات المياه والصرف الصحي، فحوالي 70% من محطات المياه في الخرطوم ومدن أخرى خرجت عن الخدمة. مما أدى إلى ظهور أوبئة الكوليرا والإسهالات في كثير من المناطق، وكذلك تفشي كثير من الحميات مثل حمى الضنك بسبب هجرة المواطنين منازلهم جراء النزوح أو اللجوء.

وغياب الخدمات أيضاً بسبب الحرب أدى إلى تكدس جبال النفايات الطبية والمنزلية والأنقاض في الشوارع بسبب توقف المحليات.

والنزوح وانقطاع الغاز والكهرباء دفعا الناس إلى قطع الأشجار للطبخ والتدفئة حول المدن ومعسكرات النزوح، الأمر الذي أدى إلى إزالة كثير من الغابات، وأفظعها إزالة غابة السنط بمقرن النيلين في الخرطوم، وهي تعتبر المتنفس البيئي الوحيد وسط الخرطوم وموطناً لهجرة كثير من الطيور الداخلية والعابرة للقارات.

وشكلت الألغام ومخلفات الحرب محوراً آخر لكوارث الحرب، فمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والسكنية أصبحت ملوثة بها. كما أن كثيراً من المباني التي تعرضت للقصف المدفعي تحتاج إلى إعادة تقييم هندسي للتأكد من سلامتها وسلامة قواعدها قبل إعادة استخدامها.

وتدمير البنية التحتية الزراعية شكل خرقاً بيئياً آخر للحرب، حيث عملت على حرق المحاصيل وتدمير قنوات الري، ونزوح كثير من المزارعين مما يهدد الأمن الغذائي في كثير من المناطق. فإن لم تحسن الحكومة ومنظمات المجتمع المدني معالجة الأمر فقد يؤدي ذلك إلى كوارث وفواجع جديدة.

المطلوب لضمان بيئة صحية مع عودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم التي شهدت معارك أو هُجرت هو حزمة تدخل بيئي عاجل ومدروس، ونحمد لولاية الخرطوم ومنظمات المجتمع المدني العاملة التدابير التي تمت والجارية الآن لتهيئة البيئة للعودة.

لابد لشباب السودان العائدين إلى مدنهم وقراهم أن يبادروا بمبادرات تهتم بالطاقة والتشجير بالتعاون مع المنظمات العاملة الآن في السودان، وإيجاد خيارات موفرة للطاقة لتقليل الضغط على الغابات. والاهتمام بعمليات التشجير في المدارس والمنازل والشوارع. ويتطلب الأمر من الشباب المهتمين بالبيئة تكوين لجان بيئية في كل حي لمراقبة ملوثات البيئة المختلفة والتعامل معها بمبدأ الوقاية الاحترازية.

الحرب كشفت هشاشة وضعنا البيئي، ولكن يمكننا البناء بشكل أفضل. ومن المقترحات إنشاء “صندوق السودان للتعافي البيئي” بتمويل حكومي ودولي مخصص فقط لإعادة تأهيل المناطق المتأثرة بالحرب.

وكذلك محاولة ربط الإغاثة بالبيئة، فكل مشروع إعمار يجب أن يوظف العائدين في التشجير والطاقة الشمسية وإعادة التدوير.

وتحديث التشريعات أو تفعيلها أمر ملح، فوجود قانون صارم لمنع التعدين العشوائي وإلزام المصانع بمعالجة النفايات أمر مطلوب لضمان بيئة نظيفة.

كذلك إدخال حصص عن التغير المناخي وإدارة الموارد في المناهج المدرسية يمكن أن يسهم في بناء جيل واعٍ ببيئته، ولكن لن ينجح ذلك إن لم نضبط العامة بقانون صارم حتى لا يضيع النشء بين ما يدرسه في المناهج وبين ما يراه من المجتمع في البيت أو الشارع.

لابد من شراكة الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات والمغتربين والشباب، فلا أحد يستطيع وحده بناء منظومة بيئية سليمة ونظيفة.

يوم البيئة هذا العام في السودان نأمل أن يكون قد تم الاحتفاء به بشكل مختلف. ليس احتفالاً من أجل الاحتفاء فقط، بل نرجو أن يكون بمثابة “إعلان نوايا”.

فالأرض التي رواها الدم يمكن أن نرويها بالأشجار. والمدن التي دمرتها الحرب يمكن أن تُبنى بمواد صديقة للبيئة.

التعافي يبدأ من التربة، ومن الماء، ومن الهواء النقي.

لكن هذا لن يحدث إلا إذا وضعنا البيئة في قلب خطة إعادة الإعمار.

يوم البيئة هذا العام هو دعوة لنا “لنزرع قبل أن نعيد البناء”

‫شاهد أيضًا‬

الميدان يحسم… فمن يحسم معركة الإعمار؟

بينما تواصل القوات المسلحة السودانية تحقيق تقدمها الميداني وإحكام سيطرتها على مناطق واسعة،…