‫الرئيسية‬ مقالات تحت ظلال التاكا: كيف تصنع “إدارة الأزمات” نموذجاً للتنمية والتعافي في كسلا؟
مقالات - ‫‫‫‏‫23 ثانية مضت‬

تحت ظلال التاكا: كيف تصنع “إدارة الأزمات” نموذجاً للتنمية والتعافي في كسلا؟

حاتم أبوسن

في أدبيات العلوم السياسية والإدارة الاستراتيجية، تُعرّف الأزمة بأنها نقطة تحول حرجة تختبر صلابة المؤسسات وقدرة القيادة على المناورة. وفي واقعنا السوداني الراهن، حيث تخوض الدولة معركتها الوجودية الكبرى في معركة الكرامة، تصبح إدارة الولايات الحدودية والمحورية عبئاً لا يضطلع به إلا من أوتي حظاً وافراً من الحكمة العسكرية والجرأة الإدارية.

​منذ تسلّمه دفة القيادة في ولاية كسلا، لم ينظر اللواء ركن معاش الصادق محمد الأزرق إلى موقعه كوالي مكلف بوصفه منصباً تسييرياً في انتظار انجلاء عاصفة الحرب، بل تعامل معه باعتباره ثغراً استراتيجياً يتطلب تحصينه بالتنمية، وسد منافذه بالخدمات، وبناء جدار أمنه من تماسك نسيجه الاجتماعي وتكامل مؤسساته العسكرية والشعبية. وفي هذا المقال التحليلي، نقرأ في دفاتر إنجازات والي كسلا اللواء الصادق محمد الأزرق، وكيف نجحت الولاية في الانتقال من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مربع التعافي الإنمائي وبسط الخدمات الأساسية.

​الأمن والاستقرار.. ذراع الحماية وروح معركة الكرامة

​لا تنمية بلا أمن، ولا استقرار بلا هيبة للدولة، ومن هذا المنطلق انطلق اللواء الصادق الأزرق من خلفيته العسكرية الصارمة لصياغة منظومة أمنية متكاملة في كسلا. وقد نجحت حكومة الولاية في تنسيق العمل وتناغم الأدوار بين القوات المسلحة، وجهاز المخابرات العامة، والقوات المشتركة، والأجهزة النظامية الأخرى، مسنودين بروح وطنية متقدة من المستنفرين المقاتلين.

​هذا الارتكاز الأمني الصلب لم يقتصر على تأمين تخوم المدينة وحسب، بل امتد لتمشيط الحدود الغربية المتاخمة لولايات الجزيرة والخرطوم ونهر النيل لمنع أي تسلل أو استهداف لحياة المواطنين واستقرارهم، ونتيجة لهذا الانضباط العالي ظلت كسلا واحة أمن آمنة، مما شجع على تدفق الاستثمارات وحركة التجارة واستضافة الفعاليات الإقليمية والدولية في وقت حرج من تاريخ البلاد.

​ملف الوافدين.. تحول الأزمة الإنسانية إلى نموذج يحتذى

​امتداداً لتبعات الحرب، استقبلت ولاية كسلا مئات الآلاف من الأسر الوافدة من مختلف ولايات السودان، وفي حين تشكل هذه التدفقات عبئاً ينهار تحته الهيكل الخدمي في كثير من بقاع العالم، قدمت إدارة اللواء الصادق الأزرق تجربة رائدة وصفتها الولايات الشرقية الأخرى بأنها التجربة النموذجية والمدرسة في إدارة ملف الوافدين وتنسيق العون الإنساني.

​ولم تكتفِ الولاية بالمعالجات الإيوائية المؤقتة، بل نظمت مؤخراً ورشة الترابط الإنساني والسلم المجتمعي والإنعاش التنموي بالتنسيق مع مفوضيات العون الإنساني، ويهدف هذا الحراك إلى قيادة التحول الاستراتيجي للولاية من مرحلة تلقي المساعدات الإنسانية البحتة إلى مرحلة الإعمار، ودمج الوافدين في النسيج الإنتاجي والخدمي للولاية بشكل يعود بالنفع المتبادل على المجتمعات المستضيفة والوافدة على حد سواء.

​المشروعات الخدمية الكبرى.. الماء والكهرباء شرايين الحياة

​حين يتحدث المواطن في كسلا عن الإنجاز الحقيقي، فإن بوصلته تتجه فوراً نحو الخدمات الأساسية التي عانت من الإهمال لعقود طويلة. وتحت رعاية ومتابعة مباشرة من الوالي، تسلمت حكومة الولاية التقرير النهائي للجنة الفنية لمشروع الحل الجذري لمياه كسلا، وهو المشروع الذي يهدف إلى الاستفادة من مياه نهر عطبرة وخزان خشم القربة لحل مشكلة مياه الشرب بمدينة كسلا كلياً ولمدة عشرين عاماً قادمة كمرحلة أولى بسعة تسعين ألف متر مكعب يومياً، وبامتداد تشغيلي يصل حتى عام 2046، مما ينهي تاريخياً أزمة العطش الموسمي التي عانت منها المدينة طويلاً.

​أما على صعيد العمل الميداني في محليات الولاية المختلفة، وعلى رأسها محلية حلفا الجديدة، فقد شهدت بالتزامن مع ذكرى الاستقلال تدشين وافتتاح مشروعات تنموية ضخمة شملت افتتاح محطتي مياه قريتي القادسية والمجاذيب لإنهاء معاناة السكان في الحصول على مياه صالحة للشرب، وتدشين تأهيل وإعادة رصف الطرق الداخلية بمدينة حلفا بطول ثمانية كيلومترات وبتمويل ضخم تجاوز تسعة مليارات جنيه سوداني، إلى جانب إدخال الخدمة والافتتاح الرسمي لمشروع كهرباء قرية المزرعة ليتكامل بذلك عقد الخدمات الأساسية في تلك المناطق الحيوية.

​الصحة والتعليم.. الاستثمار الحقيقي في الإنسان السوداني

​لطالما آمن اللواء الصادق الأزرق بأن تعزيز صمود المجتمع يبدأ من جبهتي الصحة والتعليم، وفي القطاع الصحي شهدت الولاية طفرة حقيقية من خلال افتتاح وحدة عناية مكثفة بمستشفى كسلا التعليمي بسعة عشرة أسرة بدعم من مركز الملك سلمان ومنظمة كفاءات، وتشغيل وتطوير مركز جراحة الجهاز الهضمي والمناظير التخصصي ليصبح قادراً على إجراء مئات العمليات المعقدة، بالإضافة إلى إعادة تشغيل مستشفى القرية ثلاثة الريفي بحلفا الجديدة بعد توقف دام لسنوات، وهو ما أسهم في تمكين الكوادر الطبية من إجراء ما يقارب مائة وخمسين عملية جراحية كبرى أسبوعياً، واستقبال مرضى وافدين من خارج الولاية للاستفادة من هذه الخدمات التخصصية المتقدمة.

​وفي قطاع التعليم، قادت حكومة الولاية طوافاً إدارياً ووزارياً لحل مشكلات القطاع وتوجيه وزارة المالية بحلحلة استحقاقات ومتأخرات المعلمين المالية لضمان استقرار العام الدراسي، إلى جانب تدشين مشروعات الإجلاس المدرسي وتجهيز الإذاعات المدرسية بالمحليات، مما ساهم بشكل فاعل في الحفاظ على استقرار العملية التعليمية وصرف رواتب الكوادر التعليمية، لتصبح كسلا نموذجاً يُحتذى به في الاستقرار الإداري والمؤسسي في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

​الرؤية التنموية الشاملة.. التحديات والآفاق المستقبلية

​تكشف القراءة الفاحصة لإنجازات اللواء الصادق محمد الأزرق عن منهجية إدارية فريدة تعتمد بالأساس على العمل الميداني المباشر والشفافية المطلقة، فلم يتقيد الوالي بمكتبه برئاسة الولاية، بل ظل دائم الطواف والتفقد للمحليات البعيدة وقرى الريف المترامية، مما أسهم بشكل مباشر في ردم الفجوة بين القيادة التنفيذية والمواطن البسيط، وترسيخ قواعد الرضا المجتمعي والتماسك الداخلي.

​كما نجحت حكومته في خلق حراك اقتصادي داخلي لافت وتفعيل الموارد الذاتية لوزارة المالية والقوى العاملة بالولاية، لتغطية نفقات مشروعات التنمية والخدمات الأساسية دون الاعتماد الكامل على تمويل المركز الشحيح بطبيعة الحال في ظل الظروف الراهنة، وهو ما يحسب للوالي كخطوة استراتيجية في إدارة الموارد وحوكمتها.

 

​إن ما يحدث في ولاية كسلا اليوم تحت قيادة اللواء الصادق محمد الأزرق ليس مجرد صدفة إدارية عابرة، بل هو نتاج قراءة سليمة للواقع واستغلال ذكي وشجاع للموارد المتاحة، ووقوف صامد خلف مؤسسات الدولة وجيشها الوطني.

​لقد أثبتت هذه القيادة عملياً أن إدارة الولايات في زمن الحرب لا تعني إعلان العجز والانتظار، بل تعني اجتراح الحلول، وفتح المدارس، وتأهيل المستشفيات، وتعبيد الطرق، وتوفير قطرة المياه النظيفة لكل مواطن ووافد، وستظل كسلا بفضل الله وبوعي مواطنيها وحكمة قيادتها نموذجاً باهراً يؤكد أن السودان يمرض ولكنه أبداً لا يموت، وأن مسيرة البناء مستمرة حتى تضع الحرب أوزارها وتعود بلادنا واحة للأمن والاستقرار والتنمية الشاملة.

‫شاهد أيضًا‬

جمعة طاعمة 

الجنيد وغرب سنار تلك الأسماء ارتبطت في أذهان الشعب السوداني بصناعة السكر الاحمر وهذا الصنف…