‫الرئيسية‬ مقالات حراس الحقيقة.. معركة الوعي في مواجهة وباء الشائعات الرقمية
مقالات - ‫‫‫‏‫18 دقيقة مضت‬

حراس الحقيقة.. معركة الوعي في مواجهة وباء الشائعات الرقمية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

في عصر تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتداخل فيه الحدود بين الواقعين المادي والافتراضي، لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد ساحة للتواصل العابر، بل تحول إلى جبهة مفتوحة تؤثر بشكل مباشر على استقرار الدول وتماسك المجتمعات. وفي هذا السياق، يأتي التوجه الأخير لوزارة الداخلية السودانية باستحداث وحدة أمنية متخصصة لرصد ودحض الشائعات ومعرفة الجهات التي تقف خلفها، كخطوة استراتيجية بالغة الأهمية، وقراراً يقرع ناقوس الخطر إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حماية “الأمن القومي الرقمي” والسلم المجتمعي.

هذه الخطوة السودانية تفتح الباب واسعاً أمام نقاش إقليمي ومجتمعي أعمق حول كيفية تحصين مجتمعاتنا ضد المخاطر السلبية المتصاعدة لمنصات التواصل الاجتماعي، والتي باتت تتطلب أطراً تنفيذية وتشريعية حازمة لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد القانونية، التقنية، والتوعوية.

لا يختلف اثنان على أن حرية الرأي والتعبير هي حق أصيل ومكفول، وأن تقبل الرأي والرأي الآخر هو أساس أي مجتمع متحضر. ولكن، يجب الإقرار بمرارة أن منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها قد تحولت في كثير من الأحيان إلى مسرح مفتوح لممارسات غير مسؤولة لا تعبر بأي حال عن قيمنا المجتمعية وعاداتنا الأصيلة.

لقد أصبحنا نواجه سيلاً يومياً من الوقائع المختلقة، والأكاذيب الممنهجة، والشائعات التي لا تستهدف فقط إثارة البلبلة في نفوس المواطنين، بل تمتد أذرعها الخبيثة لتضرب مسيرة الاقتصاد الوطني، وتنهش في سمعة الأفراد والأسر. وما يزيد الطين بلة هو التطور المذهل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي، والذي أفرز أدوات خطيرة أتاحت تزييفاً وتلاعباً كبيراً بمقاطع الفيديو والصور؛ لخلق سرديات وهمية تدفع الجمهور المتلقي لتبني مواقف مبنية على أباطيل. إن الممارسات التي تتناول الأعراض وتشكك في الذمم عبر حسابات وهمية ومستعارة، باتت تمثل تهديداً مباشراً وصريحاً لأمن وسلامة المجتمع.

إن مواجهة هذا الخطر الداهم لا يمكن أن تنجح بالاعتماد على جهة واحدة، بل تتطلب تضافر الجهود عبر آليات متعددة ومدروسة، تستفيد من الدراسات والأبحاث والتجارب الدولية للدول التي سبقتنا في وضع أطر تنظيمية حاكمة لضبط وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن بلورة هذه الاستراتيجية في عدة محاور تشمل: ضرورة ثورة تشريعية رادعة، إن العلاج الجذري لهذه الظاهرة يتطلب تدخلاً تشريعياً عاجلاً يقضي بمراجعة القوانين المنظمة للفضاء الرقمي، والعمل على تغليظ العقوبات. لا بد من رفع سقف الغرامات المالية المقررة لتكون رادعاً حقيقياً لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المجتمع واستقراره، أو الاعتداء على القيم الأسرية، بجانب الرصد التقني والدعم التكنولوجي، واستعجال توفر الوحدة الأمنية التي استحدثتها الداخلية السودانية، يجب تعزيز التعاون مع الجهات المعنية بالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتوفير بنية تقنية قادرة على التتبع السريع. استخدام الآليات التكنولوجية المتقدمة لكشف الحسابات المزيفة، وسرعة البت في القضايا المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، يضمن عدم إفلات المتربصين من العقاب، مع وضع خارطة طريق للمتضررين، يجب ألا يقف المواطن البسيط عاجزاً أمام الابتزاز أو التشهير. من الضروري رسم “خارطة طريق” قانونية وإجرائية مُيسرة، تمكن أي متضرر من وسائل التواصل الاجتماعي من اتخاذ خطوات واضحة ومباشرة للحصول على حقوقه واسترداد كرامته بأسرع وقت.

مهما بلغت قوة القوانين أو صرامة التتبع الأمني والتقني، يظل الوعي المجتمعي هو حائط الصد الأول والأقوى. لذلك، يتوجب إطلاق حملات توعوية واسعة النطاق ومستدامة، تتشارك فيها المؤسسات الصحفية، الإعلامية، والتعليمية.

هذه الحملات يجب أن تركز على تعريف المواطنين بمعايير الاستخدام الآمن والأخلاقي لمواقع التواصل الاجتماعي، والتحذير من المخالفات التي قد تبدو بسيطة ولكنها تندرج تحت طائلة القانون وتوجب العقوبات المالية والجنائية، مع ضرورة تنمية الحس النقدي لدى المتلقي ليتمكن من فرز الغث من السمين، وعدم الانسياق وراء المحتوى المزيف المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي دون التحقق من مصادره.

إن خطوة استحداث وحدات أمنية لرصد ودحض الشائعات هي استجابة محمودة ومطلوبة لـ “ناقوس الخطر” الذي طالما حذرت منه الأقلام الحرة والجهات الرقابية. هي خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة الانضباط إلى ساحاتنا الرقمية، وحماية أمننا المجتمعي والسياسي والاقتصادي، لتظل وسائل التواصل الاجتماعي جسوراً للمعرفة والبناء، لا معاول للهدم وتصفية الحسابات.

‫شاهد أيضًا‬

شيكان للتأمين وإعادة التأمين المحدودة  الحلقة الأولى: شيكان صمام أمان السودان

في قلب السودان، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يبرز اسم شيكان للتأم…