حين تحول النزاعات وتكتيكات الاحتيال السودان من معبر إلى مصيدة
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في الثلاثين من يوليو من كل عام، يقف العالم أمام إحدى أكثر الجرائم بشاعة وأشدها إهداراً للكرامة الإنسانية: جريمة الاتجار بالبشر. غير أن إحياء هذه المناسبة تحت شعار “عالقون في فخ الاحتيال” يتجاوز مجرد التذكير الروتيني ببروتوكولات الأمم المتحدة والمواثيق الدولية؛ إنه يضع اليد على الجرح الغائر لمأساة معاصرة تتداخل فيها الخديعة الرقمية بالحروب الأهلية، وتتحول فيها أحلام النزوح والفرار من الموت إلى عبودية واستغلال حديثين.
لم تعد هذه الجريمة المنظمة تقتصر على أنماطها التقليدية التي ظلت عقوداً تُمارس في الخفاء، بل طوّرت أساليبها وتكتيكات استدراجها لتستغل الأزمات الإنسانية والهشاشة الاقتصاديـة. في قلب هذا المشهد المعقد، تبرز حالة شرق وغرب أفريقيا، ولا سيما السودان، كنموذج صارخ ومؤلم لكيفية تحول جغرافيا العبور الهشة إلى مسرح المأساة، وحين تتحول طرق الهجرة التي تبحث عن أمل الحياة إلى مصائد موت واستغلال.
يسلط شعار هذا العام الضوء على التحول النوعي في الاستراتيجيات الإجرامية التي تعتمدها شبكات الاتجار بالبشر. لم يعد الأمر يتطلب بالضرورة الاختطاف القسري المباشر في بداياته، بل أصبحت الخديعة والاحتيال هما المدخل الرئيسي. يُستدرج الضحايا عبر وعود براقة بعقود عمل خيالية، أو فرص سفر آمنة، أو منح تحسين الأوضاع المعيشية والفرار من شظف العيش.
تستهدف هذه الشبكات المنظمة الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، وتشمل الشباب الباحثون عن أمل في ظل البطالة وانسداد الآفاق الاقتصادية، وشريحة النساء والأطفال اللاتي يمثلن الحلقة الأضعف في حالات التفكك الأسري، بالإضافة الى النازحون واللاجئون الفارون من النزاعات والذين يتعلقون بأي قشة نجاة.
وما إن يقع الضحية في الفخ، حتى تتكشف الحقيقة المروعة: سلب للوثائق، تجريد من حرية الحركة، إكراه بدني ونفسي، وسقوط في ظلمات الاستغلال دون أدنى حماية أو سند قانوني. إن الجريمة هنا لا تكتفي بسلب الجسد، بل تبدأ بسلب الوعي والإرادة عبر احتيال ممنهج.
يحتل السودان موقعاً جيوسياسياً حساساً جعله تاريخياً نقطة تقاطع وممر حيوياً لتدفقات الهجرة والنزوح بين شرق أفريقيا وشمالها وصولاً إلى الشواطئ الأوروبية. غير أن هذا الموقع يتحول في أوقات اضطراب الاستقرار والنزاعات المسلحة من مجرد “دولة عبور” إلى “بؤرة احتباس واستغلال”.
مع اندلاع وتصاعد الصراعات المسلحة وتدهور الوضع الإنساني إلى مستويات قياسية أدت إلى تشديد وتشريد ملايين الأشخاص داخلياً وإقليمياً، خرجت أزمة الاتجار بالأشخاص عن أطرها التقليدية لتتحول إلى كارثة إنسانية مركبة بانتهاك الأعراف والأسواق الإجرامية: تؤكد التقارير والشهادات الأممية الموثوقة عن تصاعد ظواهر كارثية شملت بيع النساء والفتيات النازحات والمتأثرات بالنزاع في أسواق أشبه بـ “أسواق العبيد” للعبودية والاستغلال الجنسي، خاصة في المناطق التي تشهد غياباً كاملاً لحكم القانون وانعدام الأمن، والاستغلال القائم على النوع الاجتماعي: أدى الانفصال الأسري وانهيار شبكات الأمان الاجتماعي إلى ارتفاع حاد في معدلات الزواج القسري والمبكر، والعنف الجنسي، والحمل غير المرغوب فيه، حيث تُستخدم الفتيات كأدوات مساومة أو ضحايا للاستغلال المباشر.
تجنيد الأطفال في الأعمال العدائية: لعل أكثر صور هذا الاتجار قسوة هي ظاهرة تجنيد الأطفال واستخدامهم في الصراعات المسلحة. لم يقتصر الأمر على الحرمان من التعليم والرعاية، بل تحول الأطفال إلى وقود للقتال المباشر، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي ومواثيق حقوق الطفل، وبالتالي انهيار بيئة الحماية: أدى تدمير ونهب المرافق الإنسانية، وإغلاق الأماكن الآمنة والمستشفيات، والقيود المفهومة على عمل منظمات الإغاثة والمجتمع المدني إلى تجريد الضحايا من خطوط الدفاع الأخيرة، مما يعوق الاستجابة الطارئة ويضاعف حجم المخاطر.
لا يمكن مواجهة جريمة متعدية الحدود ومربحة إجرامياً بمبادرات فردية أو معالجات أمنية قاصرة. إن خطورة الشبكات الإجرامية المنظمة تتطلب مقاربة شاملة تتكامل فيها الأدوار الوطنية والإقليمية والدولية: ففي محور التشريع وإنفاذ القانون، تكون الآليات بتنفيذ قوانين مكافحة الاتجار بالبشر وتغليظ العقوبات ضد الجناة وتفكيك الشبكات، بهدف الملاحقة القضائية وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وفي محور الوقاية والتوعية يكون محور العمل بإطلاق حملات توعوية (مثل حملة القلب الأزرق) وتكثيف دور الإعلام والمؤسسات التعليمية لتحصين الفئات الأكثر عرضة وتفكيك أدوات الاحتيال.
وفي محور حماية الضحايا بتوفير الملاجئ الآمنة، الدعم النفسي والطبي، وإعادة الدمج دون وصم اجتماعي بهدف وضع الضحية في صميم عملية العدالة والإغاثة. وفي محور التعاون الدولي بتعزيز الشراكات بين دول المنشأ والعبور والمقصد (مثل برامج UNODC والمبادرات الإقليمية)، بهدف تجفيف منابع الأرباح وإغلاق المنافذ غير الشرعية.
وتثبيت التجربة الإقليمية في دول الجوار، كالمبادرات والاستراتيجيات الوطنية الشاملة القائمة على التوسع في المسارات الآمنة والنظامية للهجرة وتغليظ العقوبات على شبكات التهريب والاتجار، أن المقاربة الناجحة هي التي تجمع بين الصرامة القضائية والمعالجة الجذرية لأسباب الهشاشة كالفقر والبطالة والنزاعات.
إن الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر ينبغي ألا يظل مجرد خطابات ديبلوماسية، بل يجب أن يتحول إلى إرادة سياسية وأخلاقية جامعة. إن خريطة الطريق لمواجهة هذه الجريمة تتطلب أولوية العمل على عدة محاور تشمل : وقف النزاعات وإتاحة الممرات الإنسانية: لا يمكن الحد من الاتجار بالبشر دون إيقاف الحروب التي تحول المدنيين إلى نازحين وفارين بلا حماية، مع المساءلة وعدم الإفلات من العقاب بفتح تحقيقات حاسمة ومحاكمة المتورطين في جرائم التجنيد القسري، الاستغلال الجنسي، وعمليات البيع والإتجار، سواء كانوا أفراداً أم جماعات مسلحة.
تغيير التعاطي مع الضحايا بإرساء مفهوم راسخ بأن ضحايا الاتجار بالبشر هم أصحاب حقوق يستحقون الرعاية والحماية وإعادة التأهيل، وليسوا محل لوم أو وصم أو ملاحقة أمنية، وتكامل الأدوار المجتمعية بتفعيل دور قادة المجتمعات المحلية، وسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية لبناء خط دفاع أول يرتكز على الوعي المجتمعي والتبليغ عن الممارسات المشبوهة.
إن كرامة الإنسان أصل ثابت وليست موضوعاً للمساومة أو سلعة في سوق النزاعات والأرباح غير المشروعة. إن المعركة ضد الاتجار بالبشر في مناطق الأزمات، وفي السودان على وجه الخصوص، هي اختبار حقيقي لإنسانيتنا ولنجاعة النظام الدولي وحماية حقوق الإنسان. إن إنقاذ العالقين في “فخ الاحتيال” والاستغلال ليس مجرد خيار سياسي، بل هو واجب أخلاقي وقانوني عاجل لا يحتمل التأجيل.
حكاياتي مع أسامة داؤود عبداللطيف
إستفاد من (الإنقاذ) أكثر من تجار الجبهة .. دعموه بدولار القمح المدعوم وسيارات الشرطة ونصرو…





