‫الرئيسية‬ مقالات السودان يحتاج إلى أحزاب تبني المجتمع قبل أن تحكم الدولة
مقالات - ‫‫‫‏‫31 دقيقة مضت‬

السودان يحتاج إلى أحزاب تبني المجتمع قبل أن تحكم الدولة

السفير/ رشاد فراج الطيب

منذ الاستقلال ، انشغلت النخب السودانية بالسؤال التقليدي : من يحكم السودان ؟ بينما بقي السؤال الأكثر أهمية غائباً عن النقاش الوطني: كيف نبني مجتمعاً قادراً على أن يحكم نفسه ، وأن يتعايش مع تنوعه ، وأن يؤسس لدولة مستقرة وقادرة على البقاء والازدهار ؟

ولعل هذا هو المدخل الصحيح لفهم الأزمة السودانية .

 

فما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة سلطة أو دستور أو تداول للحكم فحسب ، وإنما هو في جوهره أزمة اجتماعية عميقة ، تتداخل فيها أبعاد الهوية والثقافة والإثنية والطائفة والجهة ، ثم تنعكس آثارها على السياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية والسيادة الوطنية .

 

فالسياسة ليست إلا مرآة للاجتماع ، والدولة ليست سوى التعبير المؤسسي عن طبيعة المجتمع الذي تقوم عليه .

ولذلك أخفقت معظم المبادرات والاتفاقات السياسية ؛ لأنها انصرفت إلى معالجة النتائج ، بينما ظلت الأسباب الحقيقية دون معالجة ، وكلما تعثرت تجربة سياسية سعينا إلى كتابة الوثائق الدستورية ، أو تشكيل حكومة جديدة ، أو اقتسام السلطة من جديد ، بينما بقي المجتمع نفسه مثقلاً بانعدام الثقة ، وضعف الاندماج الوطني ، وتراكم المظالم ، وغياب مشروع جامع يؤسس لعقد اجتماعي جديد .

 

لقد أسهمت النخب السودانية ، على اختلاف انتماءاتها ، في تعميق هذه الأزمة أكثر من الإسهام في حلها ، فقد غلب على تكوينها الطابع الصفوي أو الطبقي أو الطائفي أو الأيديولوجي ، الأمر الذي جعلها أسيرة لرؤى جزئية ومصالح ضيقة ، وعاجزة عن تقديم تشخيص عميق وشامل لطبيعة الأزمة السودانية ، أو التوافق على ثوابت وطنية تؤسس لدولة مستقرة .

ولذلك ظل الخلاف دائماً حول شكل السلطة ومن يتولي الحكم ، ولم يتحول إلى حوار جاد حول شكل المجتمع الذي نريد بناءه .

 

إن الدول لا تبنى بالدساتير وحدها ، ولا تستقر بمجرد إجراء الانتخابات ، وإنما تبنى أولاً على عقد اجتماعي يحدد القيم المشتركة ، ويعزز الثقة بين مكونات المجتمع ، ويجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات ، ويحول التنوع من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة والإبداع .

 

ومن هنا فإن السودان يحتاج إلى مراجعة فلسفة العمل السياسي نفسها ، فنحن لا نحتاج إلى مزيد من الأحزاب السياسية التقليدية التي تتنافس على السلطة ، بقدر ما نحتاج إلى أحزاب جديدة تدخل الحياة السياسية من بوابة الاجتماع والاقتصاد والتنمية الإنسانية والبشرية ، أحزاب تجعل بناء الإنسان هدفها الأول ، وإدارة التنوع رسالتها الأساسية ، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية معيار نجاحها الحقيقي .

 

إن الحزب السياسي الناجح في السودان مستقبلاً يجب الا يكون الحزب الأكثر قدرة على تعبئة الأنصار بالشعارات السياسية الصاخبة ، وإنما الحزب الأكثر قدرة على ترميم النسيج الاجتماعي بالافكار النافعة ، وبناء جسور الثقة بين مكونات الوطن ، وصياغة حلول عملية لقضايا التعليم والصحة والإنتاج والتشغيل والعدالة الاجتماعية ، وتحويل التنوع إلى رصيد وطني يعزز الوحدة ولا يقوضها.

 

كما ينبغي أن تنتقل المنافسة الحزبية من الشعارات الأيديولوجية إلى التنافس حول الأفكار والسياسات العامة وحول كيف ندير موارد السودان الهائلة بكفاءة وعدالة ؟ كيف نحمي ثرواته من الهدر والفساد والاستغلال والاطماع الخارجية ؟ كيف نبني اقتصاداً منتجاً يوفر فرص العمل ويحارب الفقر ويعيد بناء التنمية المتوازنة ؟ وكيف نحول الدولة من جهاز لإدارة الأزمات إلى مؤسسة لصناعة التنمية والانتاج ؟

 

وفي عالم تتشابك فيه المصالح ، فإن قوة الدول لم تعد تقاس بحجم خطابها السياسي أو حجم جيشها أو حتي حجم ماتملكه من الموارد ، وإنما بقدرتها على توظيف موقعها الجغرافي ومواردها وعلاقاتها لتحقيق مصالح شعبها ، ولذلك فإن السودان بحاجة إلى سياسة خارجية واقعية ومتوازنة ، تنطلق من المصالح الوطنية ، وتبني شراكات اقتصادية واستراتيجية حقيقية ، وتحالفات رشيدة تحمي الأمن الوطني والسيادة وتشكل رافعة للتنمية ، وتجعل السودان شريكاً موثوقاً في محيطه العربي والإفريقي والدولي ، لا ساحة تستقطب الصراعات الإقليمية أو الدولية .

 

إن الموقع الجيوسياسي الفريد للسودان ، وإطلالته على البحر الأحمر ، وامتداده العربي والإفريقي ، وتاريخه الحضاري العريق ، وموارده الطبيعية الهائلة ، وثروته البشرية الواعدة ، كلها تمنحه من عناصر القوة ما يؤهله لأن يكون دولة محورية في الإقليم ، وقادراً على الإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية ، لا أن يبقى منشغلاً بإدارة أزماته الداخلية أو معتمداً على ما يمنحه الآخرون أو يمنعونه عنه .

 

إن الطريق إلى هذا المستقبل لا يبدأ من تشكيل حكومة جديدة ، ولا من توقيع اتفاق سياسي جديد لتقاسم السلطة والثروة ، بل يبدأ بإعادة بناء الاجتماع السوداني على أسس من العدالة ، والثقة ، والتوافق ، والاعتراف بالتنوع ، والمسؤولية المشتركة في بناء الوطن وحمايته . ويبدأ أيضاً بتوافق وطني واسع على ثوابت جامعة تشكل عقداً اجتماعياً جديداً ، يحفظ وحدة البلاد ، ويصون كرامة الإنسان ، ويحدد الغايات الكبرى للدولة ، بعيداً عن تقلبات الحكومات وتبدل موازين القوى .

 

إن السودان لا يحتاج إلى صراع جديد حول السلطة ، بل يحتاج إلى مشروع وطني جديد حول المجتمع والدولة ، مشروع يسبق فيه بناء الإنسان بناء المؤسسات ، ويصبح فيه الاقتصاد وسيلة لتحقيق الكرامة والاستقرار ، والسياسة أداة لإدارة التنوع وتحقيق التنمية ، لا وسيلة لإدامة الانقسام .

 

فالسودان ، بتاريخ شعبه العريق ، وموقعه الاستراتيجي ، وثرواته المتنوعة ، وإمكاناته البشرية ، يستحق أن يكون في مكانة أفضل مما هو عليه اليوم ، ويستحق أن يتحول من دولة تستنزفها الأزمات إلى دولة تسهم في حل مشكلات محيطها ، ومن ساحة للتنافس الإقليمي إلى مركز للتعاون والشراكة وصناعة المصالح المشتركة .

 

وإذا كان القرن الماضي قد انشغل بالسؤال : من يحكم السودان ؟ فإن سؤال المرحلة القادمة يجب أن يكون : كيف نبني السودان ؟ وعندما نتفق على الإجابة عن هذا السؤال ، ستكون السلطة نتيجة طبيعية لبناء مجتمع متماسك ودولة قوية ، لا سبباً دائماً للصراع والانقسام ،

فهل لدينا أحزاب وقيادات علي قدر تلك التحديات والمهام ، وهل الي خروج من سبيل ؟

ام أن فاقد الشييء لايعطيه !

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الوزراء يُدشّن اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد لمواجهة التحديات وتعزيز الاستقرار

دشّن رئيس مجلس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، اليوم بالخرطوم، أعمال اللجنة الوطنية لإدارة…