‫الرئيسية‬ مقالات السودان أكبر من خلافاتنا
مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

السودان أكبر من خلافاتنا

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

أيها الشعب السوداني العظيم بكل مقاماتكم ومواقعكم وتبايناتكم، ها هو الوطن يقف اليوم على مفترق طرقٍ لا يشبهه مفترق، وطنٌ أنهكته الحروب وأثقلته الخلافات وأرهقته سنوات طويلة من التجاذب بين الأفكار الضيقة والانتماءات القبلية والإثنية، وطنٌ ظل يُختزل ظلماً في صراع رايةٍ أيديولوجيةٍ لا تدوم أو في حدودٍ جغرافيةٍ وهميةٍ بين أبناء البيت الواحد. والحقيقة التي لا تقبل الجدل ولا التأويل هي أن السودان أكبر من كل ذلك بكثير، أكبر من ضيق الأفق، وأكبر من مرارات اللحظة، وأكبر من أن يكون رهينةً لمشروعٍ شخصيٍ أو طموحٍ آنيٍ أو خطابٍ يغذيه الغضب.

 

إن السودان الذي نعنيه هو ذلك الوطن الذي منحه الله ما يؤهله لأن يكون في مقدمة الأمم بلا منازعٍ، أرضٌ خصبةٌ تمتد مد البصر، ومياهٌ وفيرةٌ تجري في نهرين عظيمين وروافد لا تحصى، وثرواتٌ عظيمةٌ فوق الأرض وتحتها لم نُحسن بعد استثمارها، وتنوعٌ إنسانيٌ وثقافيٌ فريدٌ يجعل من كل قريةٍ ومدينةٍ فسيفساء تبهر الناظرين، وعاداتٌ أصيلةٌ راسخةٌ في الوجدان، وقيمٌ حميدةٌ تربينا عليها في المجالس والبيوت، وترابطٌ اجتماعيٌ ظل رغم كل المحن والنكبات شاهداً على معدن هذا الشعب الكريم وعلى قدرته الفريدة على التكافل والنجدة عند الشدائد. وما ينقصنا اليوم ليس الموارد ولا العقول ولا الإرادة، وإنما ينقصنا ذلك الاتفاق البسيط والعميق في آنٍ معاً على أن هذا الوطن يتسع للجميع بلا استثناء، وأن كرامة السوداني لا تُقاس بقبيلته ولا بلونه ولا بمنطقته ولا بفكره السياسي، وأن المواطنة هي الأصل الذي نبدأ منه وإليه نعود.

 

لا تجعلوا من اختلافكم باباً للفرقة ولا ذريعةً للتنابذ، بل اجعلوا منه مصدراً للقوة والإبداع والثراء الفكري، فالأمم العظيمة لم تنهض يوماً لأن أبناءها متشابهون في كل شيء، وإنما نهضت لأنها تعلمت كيف تدير اختلافها بالحكمة، وكيف تجمع شتات الرؤى على الحد الأدنى من التوافق الذي لا مساومة فيه: وطنٌ آمنٌ مطمئن، وسلامٌ شاملٌ يطوي صفحات الدم، وعدالةٌ لا تستثني أحداً ولا تميز بين قريبٍ وبعيد، ومساواةٌ تجعل القانون فوق الجميع وفوق الأهواء. هذا هو العقد الذي يجب أن نجتمع عليه اليوم قبل الغد.

 

تأملوا معي تجارب الشعوب التي خرجت من قلب المآسي لتصنع مستقبلاً يليق بأبنائها، فها هي اليابان قد نهضت من دمار الحرب العالمية والقصف النووي الذي محا مدناً بأكملها لتصبح نموذجاً في الانضباط والإنتاج والعلم، وها هي فيتنام قد تجاوزت ويلات الغزو والحروب الداخلية الممتدة لتصبح اليوم من أكثر الاقتصادات ديناميكيةً في آسيا، وها هي أوروبا التي مزقتها قرونٌ من الحروب القاسية قد بنت اتحاداً وتعاوناً وسلاماً جعلت من حدودها ممراتٍ للتجارة لا للجيوش، وها هي الصين التي مرت بصراعاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ مؤلمةٍ قد تحولت بإرادة أبنائها إلى قوةٍ عالميةٍ يشار إليها بالبنان، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي نحسبها اليوم دولةً واحدةً متماسكةً قد مرت بمراحل استعمارٍ وحربٍ أهليةٍ طاحنةٍ وانقساماتٍ عميقةٍ قبل أن تشكل حاضرها. وليست هذه التجارب دعوةً لتقليد أحدٍ أو نسخ تجربةٍ حرفياً، وإنما هي تذكيرٌ بليغٌ بأن الشعوب القادرة على مراجعة نفسها والاعتراف بأخطائها والتعلم من جراحها والإيمان بمستقبلها هي وحدها القادرة على أن تبدأ من جديد مهما بلغت الخسائر.

 

ولقد مر السودان منذ الاستقلال بتجارب سياسيةٍ متباينةٍ ومتناقضةٍ أحياناً، تركت ندوباً عميقةً في الجسد الوطني، والتاريخ لا يُقرأ أبداً للبكاء على ما مضى ولا للتباكي على الأطلال، وإنما يُقرأ لاستخلاص الدروس والعبر وبناء ما هو أفضل وأجدى وأكثر استدامةً. لذلك لا تعيدوا إنتاج أخطاء الماضي بنفس الأدوات ونفس الخطاب ونفس منطق الإقصاء، ولا تسلموا مستقبل هذه البلاد لمن يزرعون الخوف والكراهية والانقسام ويتاجرون بمعاناة الناس.

 

أما أنتم يا شباب السودان، فأنتم لستم جيل الانتظار ولا جيل التبرم ولا جيل الهجرة وحسب، بل أنتم جيل الإنقاذ والبناء والأمل، أنتم الحاضر الذي يجب أن يصنع المستقبل. اجتمعوا على كلمةٍ سواءٍ تجمع ولا تفرق، وارفعوا صوت العقل والحكمة فوق ضجيج التحريض وخطاب الكراهية، واجعلوا الحوار الجاد المسؤول بديلاً عن السلاح، والمواطنة الجامعة بديلاً عن العصبية الضيقة، والعمل المشترك الخلاق بديلاً عن اليأس والإحباط. إن السودان يستحق منكم أن تحلموا له كبيراً وأن تعملوا من أجله بإخلاصٍ وتفانٍ وأن تصروا بإرادةٍ لا تلين على أن يكون وطناً يسع جميع أبنائه دون إقصاءٍ أو تمييزٍ أو وصاية.

 

فلنجعل هدفنا جميعاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض: سودانٌ حرٌ يختار أبناءه مصيره بأيديهم، سودانٌ آمنٌ تنام فيه العيون مطمئنة، سودانٌ عادلٌ لا يظلم فيه أحد، سودانٌ متصالحٌ مع ذاته ومع تاريخه ومع تنوعه، سودانٌ مزدهرٌ بموارده وبعقول أبنائه وبعرقهم وبإبداعهم.

 

كونوا بخير، وكونوا سنداً لوطنكم في السراء والضراء، وكونوا على يقينٍ بأن السودان رغم كل الجراح ورغم كل الخذلان ما زال يستحق الحياة، وما زال يستحق منا كل التضحية وكل الوفاء وكل الحب.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

السودان المنقسم: كيف تصنع التقارير الكاذبة ” سياسةالأمر الواقع”؟

_تفنيد تقرير مجموعة الأزمات الدولية وسياقه في مشروع محاولة تفكيك الدولة_   في أغسطس 2…