‫الرئيسية‬ مقالات السودان المنقسم: كيف تصنع التقارير الكاذبة ” سياسةالأمر الواقع”؟
مقالات - ‫‫‫‏‫17 ثانية مضت‬

السودان المنقسم: كيف تصنع التقارير الكاذبة ” سياسةالأمر الواقع”؟

د. عبدالعزيز الزبير باشا.

_تفنيد تقرير مجموعة الأزمات الدولية وسياقه في مشروع محاولة تفكيك الدولة_

 

في أغسطس 2025 أصدرت “مجموعة الأزمات الدولية ICG” تقريراً بعنوان “السودان المنقسم: سلام بعيد المنال”. التقرير لم يكن مجرد تشخيص. كان إعلاناً سياسياً مموهاً بلغة بحثية، يهدف لنقل النقاش الدولي من سؤال “كيف نوحد السودان” إلى سؤال “كيف ندير تقسيمه”.

 

ولفهم خطورة هذا التقرير لا بد أن نربطه بتاريخ عشرين عاماً من التدخل في السودان، وبثلاثة تواريخ مفصلية: ما قبل 15 أبريل 2023، وما بعده، وما يجري الآن في الكونجرس الأمريكي.

 

*أولاً: الجذور – من نيفاشا إلى “سياسة الشيكات” 2005-2023*

 

لم تبدأ أزمة السودان في 15 أبريل. بدأت عندما تحولت أدوات “منع النزاعات” إلى أدوات “إدارة النزاعات”.

في 2005 رعى المجتمع الدولي اتفاقية نيفاشا. وصفتها تقارير ICG حينها بأنها “النموذج”. النتيجة كانت انفصال الجنوب في 2011.

 

في 2019-2022 دخلنا مرحلة جديدة سميتها في أوراق سابقة “سياسة الشيكات”: تمويل ورش ودساتير ومؤتمرات خارج الدولة، برعاية نفس الشبكة من المؤسسات المانحة. الهدف لم يكن بناء دولة، بل شراء نخب وإنتاج شرعية موازية.

خلال هذه الفترة تحولت “مجموعة الأزمات الدولية” من مراقب إلى صانع رواية. تقاريرها كانت تُترجم مباشرة إلى قرارات في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي. ومولها الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ومؤسسات كبرى مثل سوروس وفورد وبيل وميليندا غيتس. نفس هذه الجهات مولت لاحقاً مؤتمرات *عصابة صمود* في أديس أبابا وكمبالا.

 

*ثانياً: لحظة الانفجار – 15 أبريل 2023 وما بعدها*

 

جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتكشف ثغرات الدولة التي صنعها التدخل الخارجي والخيانة الداخلية. كبلت المؤسسات، وتعددت الجيوش، وتدخلت قوى إقليمية داعمة للتمرد.

هنا حدث أمران متزامنان:

 

1. في الميدان : ظهرت إدارة مدنية كذوبة في نيالا، وأُعلنت لاحقاً *”عصابة تأسيس” من تمرد الدعم السريع الإرهابي*.

 

2. في العواصم : نجحت منصة جدة وفشلت المنامة، وبدأ البحث عن “بديل سياسي”.

في هذا الفراغ ظهر *تحالف عصابة صمود* كواجهة سياسية، وتبنى خطاباً مطابقاً لما سيرد لاحقاً في تقرير ICG : فيدرالية قصوى، لا مركزية، رفض الاعتراف بحكومة بورتسودان على حسب زعمهم ، والحديث عن “أمر واقع”.

 

*ثالثاً: التقرير الكذوب وتوقيته – أغسطس 2025*

صدر تقرير “السودان المنقسم” بعد شهرين من إعلان *”عصابة تأسيس”*. لم يدن معتدياً، ولم يسمِّ متدخلاً إقليمياً رغم وجود تقارير أممية موثقة عن ذلك. بدلاً من ذلك قدم ثلاثة سيناريوهات، ووضع “التقسيم الفعلي” كأعلى احتمال.

هذا ليس تحليلاً. هذا “تمهيد”. وظيفة التقرير كانت:

1. إسقاط الفاعل : مساواة الضحية بالجلاد.

 

2. شرعنة الواقع : وصف انتشار المليشيا على إقليم بأنه “إدارة” لا “احتلال”.

 

3. صناعة المبرر : إقناع صانع القرار الغربي أن الوحدة “مستحيلة” وأن “إدارة التقسيم” أرحم.

 

*رابعاً: الربط الأخطر – مشروع الكونجرس HR1939*

هنا يكتمل المشهد. في 2025 قدم أعضاء في الكونجرس الأمريكي مشروع قانون HR1939 تحت عنوان “قانون دعم الديمقراطية في السودان”.

جوهر المشروع: تجميد التعامل مع الحكومة الحالية، وفتح قنوات مع “قوى مدنية” و “إدارات محلية”، وفرض عقوبات انتقائية.

تطابق مذهل: توصيات HR1939 هي نفس توصيات تقرير ICG حرفياً. الاثنان يتحدثان عن “حكومة شاملة من خارج المركز” و “رفض احتكار السلطة” و “دعم الإدارات المدنية البديلة”.

الفارق الزمني بينهما أسابيع. هذا ليس صدفة. هذا “تكامل أدوار”:

الـ ICG تصنع الرواية البحثية، و *”عصابة صمود/تأسيس”* يوفرون الواجهة السياسية، و HR1939 يوفر الأداة القانونية والمالية لفرضها.

هذه هي “سياسة الشيكات” في نسختها المتطورة: من تمويل ورش إلى تمويل قوانين.

 

*خامساً: ماذا يريدون بالضبط؟*

هدف المشروع كاملاً واضح من تسلسل الأحداث:

 

1. تفكيك شرعية الدولة المركزية عبر تجميد أموالها وعزلها دبلوماسياً.

 

2. الاعتراف التدريجي بكيانات موازية بعد 6-12 شهر بحجة سياسة “الأمر الواقع”.

 

3. فرض دستور فيدرالي يفضي عملياً إلى دولتين : دولة في الشرق والشمال، ودولة في الغرب.

النتيجة: بحر أحمر بلا سيادة، و أكثر من 11 مليون نازح، ومنطقة فراغ تتحول لمركز للجريمة والإرهاب.

 

*سادساً: الرد – من خطاب المعركة إلى مشروع الدولة*

المعركة انتقلت من البندقية إلى “معركة الرواية”. والصمت على تقرير مثل ICG هو هزيمة.

الرد يجب أن يكون بثلاثة قرارات سيادية متزامنة:

 

1. قرار سياسي : إطلاق “المبادرة الوطنية للحوار السوداني الخالص” التي أشار لها فخامة رئيس مجلس السيادة الإنتقالي. حوار بلا وصاية، وبلا تمويل خارجي، وغايته الدستور والانتخابات فقط.

 

2. قرار أمني: إنفاذ قانون الدمج والتسريح DDR لوضع كل السلاح تحت قيادة القوات المسلحة. لا دولة بلا احتكار للشرعية.

 

3. قرار اقتصادي: “خطة طوارئ قصوى” لإعادة الخدمات والكهرباء والعودة الطوعية. لا شرعية سياسية في ظل جوع وعطش.

وعلى المستوى الدولي: تقديم مذكرة لمجلس الأمن تكشف تقاطع التمويل بين مراكز الأبحاث والتحالفات السياسية، والمطالبة بتطبيق قرارات حظر السلاح في مناطق أنتشار التمرد بحزم و خصوصاً على داعمي التمرد .

 

*الخاتمة*

تقرير “السودان المنقسم” ليس نبوءة. هو مشروع.

ومشروع HR1939 ليس صدفة. هو أداة.

الشعب السوداني الذي كسر حاجز الخوف ودفع ثمناً باهظاً لا يريد “إدارة تقسيم”. يريد دولة. دولة تحرسه وتعلمه وتعيده إلى داره عزيزاً.

اللحظة التاريخية تقول: إما نفعل دولة المؤسسات اليوم و نطلق العنان لها ، أو نُدفن تحت تقارير الغد.

 

*خذ الكتاب بقوة يا ريس…*

 

_*وطن ومؤسسات..*_

_*السودان أولاً وأخيراً..*_

 

 

*_17/08/2026_*

‫شاهد أيضًا‬

السودان أكبر من خلافاتنا

أيها الشعب السوداني العظيم بكل مقاماتكم ومواقعكم وتبايناتكم، ها هو الوطن يقف اليوم على مفت…