يا قضارف الخير لنا عودة إن مد الله في الأعمار
ضرغام ابوزيد

dirgham@yahoo.com
وفي وسط لهيب حرب الكرامة ، وبعد ان جاء المغول الجدد عصابة آل دقلو الإماراتية الإرهابية لاخضاع هذا الوطن الجلال والحاقه بدويلة الشر .
وفي 19 يونيو 2023 – 3 سبتمبر 2025 مابين رحلة الذهاب والاياب ، او لنقل رحلة النزوح القسري من امدرمان العريقة ومن صالحة الرحيبة تحديداً الى شرقنا الحبيب والى ولاية القضارف بالتحديد الدقيق .
ابن اخي عبد العظيم محمد ابراهيم جزاه الله خيرا بالقضارف وحرصا منه ومن الأهل هناك على خروجنا سالمين ارسل حافلة بقيادة السائق الفدائى الملقب بالحمري لاخراجنا من مثلث برمودا الجديد ، اقسم بالله إنني لم ار أشجع منه ، فقد واجه اولئك الاوباش برباط جاش نادرة في ارتكازاتهم الإجرامية .
لقد سيطروا وقتها على الخرطوم كاملة واجزاء واسعة من امدرمان وقد اعجبتهم صالحة والريف الامدرماني الجنوبي تحديدا فقرروا فيما بعد اتخاذه عاصمة لهم بعد ان ارتكبوا فيها جرائم ومذابح مروعة لاجل اخضاع إنسانها الجسور والبطل بغير طائل .
وبدأت يا سادتي رحلة العذاب والخوف والإرهاب ، تحركت الحافلة بنا من امام البيت في الصباح الباكر ، كان الجنجويد قد استتب لهم الامر في صالحة تماما ، اول ارتكاز اوقفنا كان في منتصف طريق الاسفلت المؤدي الى الشقلة غرب سور جامعة امدرمان الإسلامية .
والثاني في الطريق الغربي المؤدي الى دلالة صالحة ، ومنها دخلنا لامبدة لإصطحاب عائلة اخرى ، كانوا كالنمل كالجراد تحت الاشجار وفي منعطفات الطرق ، ثم دخلنا كبري شمبات من الجزء الشرقي وكان لهم فيه ارتكاز ضخم ، وعلى الجانب الغربي ايضا ، كانوا يحرصون على صعود احد العملاء للحافلة وهي تسير ليسمع همسات الركاب وليرصد غمزاتهم ليبلغها للارتكاز القادم ، تصرف قذر وجبان دون ريب .
ثم دخلنا الخرطوم والصحافات لرفع مقتنيات منزلية موصى بها ، كانوا ايضا كالذباب ، اما في الصينية مركزي بالخرطوم فحدث ولا حرج ، كانوا كالدود هذه المرة ، يحملون اسلحتهم ومستعدين لاطلاق النار باتجاه اي كائن لايعجبهم سحنته ، كانوا على راحتهم تماما وذاك كان اليوم الثاني من اخر هدنة عام 2023 والمحددة بثلاثة ايام فقط .
وعبر هذا الاختراق القسري لم ار اي وجود للجيش او القوات المساندة ، لقد دانت لهم العاصمة تماما إلا قليلا ، لهذا فان عودة الجيش واستعادتة للعاصمة كنت ولا أزال أراه انجازا عسكريا خارقا بكل المقاييس ، إنه لأمر لايصدق فعلا ، وهنا تكمن عظمة الإنجاز وعظمة هذا الجيش العرمرم .
وصلنا القضارف بحمد الله الواحدة صباحا ، اي استغرقت الرحلة 24 ساعة كاملة ، واحسب ان كل الذين عذبونا في الطريق من الجنجا قد انتقلوا الى جهنم وبئس المصير ، وكنا اخر من شاهدهم وهم يستكبرون في الأرض بغير وجه حق ..
كانت القضارف وما برحت كريمة ومعطاءة وجزلة في فصل خريفها المميز ، لقد استقبلتنا بأول غيث من السماء عند وصولنا الواحدة صباحا ، تاكيدا على عمق الحفاوة ، فلها من الشكر اجزله فهكذا كرم يؤرخ به ويؤرخ له .
أول ما اكتشفناه في خريف القضارف ان هذه الأرض كريمة كاهلها ، وان هذه التربة الطينية الخصبة الخضراء والممتدة لأعماق الأرض لها شان ما عظيم مع التاريخ القديم لنشؤ هذه المدينة او الولاية النضرة .
كنت اقول لنفسي ربما قبل ملايين السنين ، كان ثمة نهر عظيم يجري فيها ، وإنه قد غير مساره او اثر الرحيل من تلقاء ذاته وترك هذا الطمي المهول الذي شكل تربة القضارف المميزة ، وبما ان الامر كذلك فلن اندهش اذ اراضي الفشقة الزراعية عالية الخصوبة يسيل لعاب اولئك وهم يحلمون بامتلاكها ، عشم ابليس في الجنة حكما .
كنا فقط نغرس البذور في الارض ونذهب لشان آخر لنا ، ثم يات ماء السماء ليدلي بدلوه ، وماهي إلا بضع ايام ينبت ما زرعناه طيبا رائعا ، فهذه (العجورة) الضخمة التي احملها رزعتها بذرة على بعد مرمى متر من (الكرنك) الخاص بي فاعلنت لي عن وجودها بهذا النحو البهيج من الألق .
القضارف يا سادتي ولاية زراعية ثرية للغاية ، وفي امكانها لوحدها ان تغدو سلة غذاء أفريقيا لا السودان فقط لو وظفت امكاناتها الهائلة كما ينبغي .
ولاية مدهشة بالفعل ، وما كنا نريد مغادرتها لولا خيوط العنكبوت الزاحفة إلينا من ولاية الخرطوم وقد كبلتنا ايابا وبقدر لا نستطيع معه المقاومة او المساومة .
ثم أن لي في القضارف لو تعلمون اهل اعزاء هم الكرم كله والجود جميعه والنخوة أصلها وفصلها .
وفي القضارف تعلمت روعة النوم داخل (الكرنك) الحبيب والغيث في الخارج لايلوي على شئ ، بل وتعلمت ايضا صنع الكرانك والرواكيب والتعامل باحترافية مع الشرقانيات التي أسميت مفردها لوحدي شرنوقة وكانوا يضحكون ..
وفي القضارف عرفت معنى ان ترتعد من صوت الرعد في الخريف ، هو مخيف وجبار وعنيف ، ومقارنة مع الرعد في الخرطوم اقول ان رعد الخرطوم مجرد انفجار بالونه لا اكثر .
وفي سوق القضارف تعرفت على سوق الكوارع واللحمة واسواق الموبايلات وتعرفت على بنك الخرطوم وبنك المشرق وبنك تنمية الصادرات والعزيز كرار ، وعرفت بنك المزارع وبنك النيلين ، اما دلالة الجمعة فانا بالفعل افتقدها ، إذ كان لها الفضل في تزويدنا بكل احتياجاتنا كنازحين .
وفي سوق القضارف الكبير توقفت وانخت مطاياي امام طاولة ابن اخي عبد العظيم محمد ابراهيم الذي وجه لنا رقاع الدعوة امام طاولته لإصلاح الساعات فانا عمه وابنه حسن الرائع انا جده وكذلك اخوته الميامين حسين وعمر ومحمد ، وعلى بعد مرمى حجر توقفت واستوقفت امام دكان اخي محمد ابراهيم احمد علي لبيع الملابس الرجالية الجاهزة وابناءه الكرام فائر وياسر فانا عم الكبار وجد الصغار .
وفي ذات الدكان التقيت مرارا وتكرارا باخي علي صالح ادم ، هذا الرجل العظيم اخلاقا ودينا وتدينا ، فله مسجده وتلاميذه الذين ينهلون العلوم الدينية على يديه .
كما أن تاريخ الأسرة منذ الستينات والممتدة من القضارف لامدرمان ، كل هذا التاريخ يحتفظ به لوحده ما شاء الله تبارك الله ، فحكي لي عن مآثر الأجداد والجدات تتبعا لطريق الحرير القديم ، اقصد طريق التواصل القديم مابين القضارف وامدرمان والعكس .
اما في سوق المحاصيل الذي يتحدث بلسان لا تنقصة الفصاحة ولا البلاغة عن إمكانات الولاية الزراعية المهولة فحدث ولا حرج ، فصومعة الغلال الضخمة خلفه و التي امست معلماً للولاية تؤكد على ان الخير كثير ووفير ، وقيل ان الانكليز هم الذين بنوها قبل مغادرتهم .
وفي ذات السوق كنت دوما تحت ضيافة ابن اخي الحاتمي كرما الفاتح علي صالح آدم ، هذا الرجل النادر في زمانه يمثل زهرة سوق المحاصيل ، اصطحبني الى جلسات التداول داخل المبني حيث تباع المحاصيل المختلفة ، ويحضرها في العادة كبار التجار والمصدرين ، اموال ضخمة تدور داخل القاعة ، وخارج القاعة وفي الساحات الممتدة مدى البصر آلاف بل قل ملايين الشوالات لمحاصيل العام في طريقها لاطعام البشر خارج الولاية وخارج الدولة ايضا .
وسط تلك الشوالات المرتفعة لامتار من الارض ، قال لي الفاتح ألتقط صورا لها ، قلت اصور ماذا الرؤية امامي صفرية .
اريد هلكوبتر لترتفع بي لاعلى ليتسني لي تصوير خيرات محاصيل القضارف ، وهنا اضحك كثيرا وطويلا من تلك المزاعم القائلة ان السودان يقف على حافة مجاعة قاتلة !!..
واذا كان المطربة عائشة الفلاتية جارتنا في العباسية امدرمان عندما كنا أطفالا غنت اغنيتها الشهيرة (ياسمسم القضارف) وسجلتها في الإذاعة في 17 يناير 1966 ، فان ذلك لم يأت من فراغ .
فالقضارف ليست سمسم فقط ، انها كل شئ يؤكل طازجاً او يابسا او سائلا .
حلفا تعلن «زيرو مخدرات».. ضبطية جديدة للمباحث ومكافأة للقوة المنفذة
حيا المدير التنفيذي لمحلية حلفا رئيس لجنة امن المحلية الاستاذ ابو عبيدة ميرغني برهان مدير …





