شهادة قلم عاصر الانكسار – الحلقة 57 غيمة زيف..!!
رمضان محجوب أنواء الروح.

▪️ تتكشف سوءات الواقع حين تتطلع العيون المتعبة صوب الهيئات بحثاً عن نجاة لا تأتي، فلا تلقى سوى جدران صماء وروتين أعمى ووعود خاوية، ليعي المواطن أن الدعم وحماية الأرواح ليست سوى لافتات باهتة تذوب فور اصطدامها بالميدان، لتترك الإنسان السوداني وحيداً يواجه قدراً مأساوياً فرضته حرب اوقدت نارها مليشيا لتحرق بها جسد المواطن قبل الوطن.
▪️تتبخر الآمال المعلقة بالدوائر الرسمية بمجرد احتكاكها بقسوة الفاجعة، ويمضي ابن البلد يصارع أيامه فوق رماد الديار وتحت لهيب الهجير، بينما ينشغل أولئك القوم بديباجة التقارير الباردة واجتماعات الفنادق الوادعة في مدن بعيدة عن أتون الدماء وأنين العطاش والنازحين ممن افترشوا التراب غطاء في قسوة تدمي القلوب وتستصرخ الضمائر الميتة.
▪️يواجهنا هذا السقوط بتخبط عريض للمجتمع الدولي واكتفاؤه ببيانات الاستنكار، يقابله عجز تام للمؤسسات الداخلية عن أبسط الواجبات الخدمية والأمنية، وكأن تلك المنظومات ما وُجدت إلا لأوقات الدعة والرفاه لا لمواسم الشدة التي تمتحن معادن الرجال وتكشف عوار الهياكل المصطنعة التي تتهاوى ساعة الجد.
▪️وحين تسقط تلك الجدران المهترئة، يترك الملايين لمواجهة الموت والجوع بلا نصير، في مشهد يصور بشاعة حرب مزقت الوشائج وألقت بالأبرياء في مهب التشرد بلا رداء يقي حر الهجير وبرد العراء، لتتكدس العائلات على قارعة الطرقات وسط ظروف صحية ونفسية بالغة التعقيد والخطورة تنذر بكوارث إضافية.
▪️ يبرز الوجه الاكثر قتامة للفساد الإداري المستشري وغياب الرقابة على شؤون الإغاثة، إذ تُنهب المعونات بطرق ملتوية وتصرف لغير أهلها عبر شبكات انتهازية تخلو من الضمير في زمن المحن الكبرى التي تقصم ظهر المجتمع وتضاعف أثقال المعيشة على البائسين دون وازع من دين أو ضمير.
▪️ تتضح شواهد هذا الظلام في تكدس شاحنات الإعاشة بمخازن السوق الأسود أو عرض المواد الغذائية للبيع جهاراً، ولعل أبرز شاهد يتمثل في قضية الدقيق التالف المتقارب من 50 ألف جوال من عون المنظمات التي تُرِكَت تتعفن بين بورتسودان والدبة دون أن تشق طريقها نحو المحاصرين بالفاشر، حتى هوت المدينة وتلف الغذاء تحت أعين الجميع.
▪️ لا يقف العبث عند هذا الحد، بل يمتد لاستثمار المأساة عبر واجهات ولجان مزيفة تتاجر بدموع الضحايا وتجمع التبرعات بأسمائهم لتضخها في الحسابات الشخصية بالخارج، عاكسة أبشع صور الانتهاط الأخلاقي بحق شعب ينزف تحت وقع حرب أكلت كل شيء وتركت خلفها رماداً ودموعاً لا تنقطع.
▪️ وسط هذا الخراب الحالك يومض بصيص النور حين تشتد العتمة، إذ تنطلق لجان الطوارئ الشعبية ومبادرات القواعد التطوعية بإخلاص شبابي ونسائي فريد لمواجهة تبعات الحرب، لتلتحم الجهود المتواضعة وتصنع معجزات يومية تعيد الروح للنفوس وتؤكد قدرة السوداني على قهر المستحيل.
▪️ تتجلى تلك الإشراقات في التآزر العفوي بين الجيران لتقاسم لقمة العيش الشحيحة، وإنشاء تكيات الطعام ومقاصد الإسناد الصحي الذاتي بعيداً عن أرحام المنظمات المرائية التي تتخذ من آلام الناس مادة لتسويق التقارير الوهمية وتأمين التمويل الضخم الذي يذهب في جيوب الوسطاء والمنتفعين.
▪️يسلط الفعل الشعبي الأصيل الضوء بهبة الممرضين والشباب للتطوع بلا إمكانيات في العراء لإسعاف الجرحى ووارء الموتى بكرامة إنسانية تحفظ هندام الميت وقدره، مسجلين ملاحم التضامن الخالص الذي يعيد الثقة بالبشر حين تتخلى المؤسسات الكبرى عن واجباتها أمام مرأى العالم أجمع.
▪️خلفت هذه التجربة درساً ساطعاً بأن الهيئات التي خذلتنا لم تفعل سوى تعرية هياكلها المهترئة، لكنها في المقابل أيقظت وعي الإنسان بأن اعتماده الحقيقي ينبغي أن يكون على ذاته وعلى تضامن جاره لا على وعود الغرباء والمنتفعين الجاثمين على جراح الأبرياء.
▪️وحدة الضمير والتكافل المجتمعي الصادق ستظل هي المؤسسة الباقية التي لا تخيب في مواجهة أهوال الحرب، والسور المنيع الذي يركون إليه الوطن ليقوم من رماده حين تسقط كل إدارات البيروقراطية أمام إرادة البقاء الأصيلة في وجدان شعب لا يعرف الانكسار.
▪️ محطة الفرز التاريخية تقتضي إزالة الاقنعة عن كل المتاجرين بآلامنا، وتأسيس الوعي الجماعي على قاعدة الاعتماد على الذات وتنظيم أهلي رشيد يضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار حزبي أو مؤسسي أثبت خزيه في امتحان الأمة والوطن الجريح.
▪️هذا الخذلان المرير قطعا سيكون عتبة لولادة مجتمع حر ونقي ينهض على سواعد أبنائه الأحرار الذين صهرتهم النيران فأخرجت أصلب معادنهم لحراسة الحياة وصون كرامة الأجيال الآتية وبناء المستقبل على أسس لا تهتز أمام عواصف الزمان.
▪️ بعد هذه المسيرة الموجعة التي كتبها دم الأبرياء، تتجمع العِبر لتؤكد أن الجهات التي خذلتنا سقطت سقوطاً مدوياً في محك الضمير، وظلت إرادة الأحرار والتضامن الشعبي الصخرة التي تتحطم عليها أطماع التمرد، ليظل الوطن منيعاً بنبض أبنائه لا بوعود العابثين وتقريرات الفنادق الباردة
ما نسيناك جاي تعمل إيه معانا
اللجنة الدولية الصليب الاحمر دورها في حرب السودان ضعيف للغاية وواجهت كثيرا من الانتقادات خ…





