السودانُ: سرُّ اللهِ في أرضِهِ
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

ماذا بينكَ وبينَ اللهِ يا سودانُ حتى تتحطمَ على صخرتِكَ كلُّ المؤامراتِ؟ وماذا بينكَ وبينَ السماءِ حتى إذا تكالبَ عليكَ الأعداءُ من الخارجِ وساندهمْ بعضُ أبناءِ الداخلِ، خرجتَ من المحنةِ أقوى وأشدَّ بأساً؟
لقد راهنَ الساعونَ لتركيعِكَ على كلِّ شيءٍ. راهنوا على الجوعِ فظنوا أنَّ البطونَ الخاويةَ ستبيعُ الوطنَ برغيفٍ. وراهنوا على الخوفِ فظنوا أنَّ الرصاصَ سيكسرُ إرادةَ شعبٍ. وراهنوا على الفتنةِ فظنوا أنَّ القبيلةَ ستنتصرُ على الوطنِ والجهةَ على الهويةِ. وجاءوكَ بجيوشٍ من المالِ الحرامِ، وجيوشٍ من الإعلامِ الكاذبِ، وجيوشٍ من العملاءِ الذينَ باعوا ضمائرَهُم في سوقِ النخاسةِ السياسيةِ. رسموا لكَ خرائطَ التقسيمِ على الورقِ، وكتبوا لكَ شهادةَ وفاةٍ قبلَ أن تموتَ، ووزعوا ثرواتِكَ في قصورِهِم قبلَ أن تُهزمَ.
ولكنهم نسوا شيئاً واحداً. نسوا أنَّ لهذا الترابِ رباً يحميهِ. نسوا أنَّ في هذا الشعبِ سراً لا يُفكُّ طلاسمُهُ بمكاتبِ الاستخباراتِ والمخابرات ومكاتب عملاءها. نسوا أنَّ السودانَ ليسَ دولةً عاديةً في خارطةِ العالمِ، بل هو قدرٌ، وهو امتحانٌ، وهو صخرةٌ تتكسرُ عليها أحلامُ الطامعينَ.
ماذا بينكَ وبينَ اللهِ يا سودانُ؟ بأيِّ دعوةِ ثكلى ارتفعتْ في ظلامِ الليلِ فبدلتْ موازينَ المعركةِ؟ بأيِّ سجدةِ جنديٍ على خطِّ النارِ انتصرتْ على كلِّ خططِهم؟ بأيِّ صبرِ أمٍ فقدتْ ولدَها وخرجتْ تقولُ الوطنُ أولاً؟ لقد رأى العالمُ كيفَ أنَّ شعباً جائعاً رفضَ أن يركعَ، وكيفَ أنَّ شعباً موجوعاً رفضَ أن يبيعَ، وكيفَ أنَّ شعباً ممزقاً اجتمعَ في لحظةِ الخطرِ على كلمةٍ واحدةٍ: السودانُ.
لقد سقطتْ أقنعةُ الداخلِ واحداً تلوَ الآخرِ. أولئكَ الذينَ لبسوا ثوبَ النصحِ وهمْ يطعنونَ في الظهرِ. الذينَ تحدثوا عن الديمقراطيةِ والحريةِ وأيديهم ملطخةٌ بدمِ الوطنِ. الذينَ فتحوا الحدودَ للأجنبيِ ليحتلَّ وقعدوا على المقاعدِ ينتظرونَ كرسيَّ الحكمِ. ظنوا أنَّ التاريخَ سيرحمُهُم، فكتبَهُم التاريخُ في صفحةِ العارِ. ظنوا أنَّ الشعبَ سينسى، فصارَ الشعبُ لا ينسى ولا يغفرُ.
واليومَ وبعدَ أن تحطمتْ كلُّ آمالِهم، يسألُ السائلونَ في عواصمِ القرارِ: لماذا لم يسقطِ السودانُ؟ لماذا لم يركعْ؟ لماذا فشلتْ كلُّ أدواتِنا؟ والإجابةُ أوضحُ من شمسِ الظهيرةِ. لأنَّ بينكَ وبينَ اللهِ يا سودانُ عهداً قديماً. عهدَ أنَّ من صبرَ على البلاءِ نصرهُ اللهُ. وعهدَ أنَّ من تمسكَ بأرضِهِ حفظَهُ اللهُ. وعهدَ أنَّ الدمَ الذي سالَ في الشوارعِ لن يضيعَ هدراً.
لقد كانتِ المعركةُ أكبرَ من السلطةِ وأكبرَ من المناصبِ. كانتْ معركةَ وجودٍ. يريدونَ وطناً بلا ذاكرةٍ، فتمسكتَ بذاكرتِكَ. يريدونَ شعباً بلا كرامةٍ، فاخترتَ الكرامةَ حتى لو كانَ ثمنُها الدمَ. يريدونَ مستقبلاً مرسوماً في غرفٍ مغلقةٍ، فكتبتَ مستقبلَكَ بعرقِكَ وبندقيتِكَ وبصمودِكَ.
فانهضْ الآنَ يا سودانُ. فقد انتهى زمنُ الدفاعِ وبدأ زمنُ البناءِ. انهضْ بشموخِ من انتصرَ ولم يغترَّ. انهضْ بعزيمةِ من جُرحَ ولم ينكسرْ. فالأرضُ التي حطمتْ المؤامراتِ قادرةٌ على أن تبنيَ المجدَ. والشعبُ الذي أفشلَ مخططاتِ الخارجِ قادرٌ على أن يصنعَ دولةَ العدلِ والقانونِ.
إنها ليست نهايةَ الطريقِ، بل هي بدايتُهُ. بدايةُ سودانٍ حديث لا يخافُ إلا اللهَ، ولا يركعُ إلا للهِ، ولا يساومُ على ترابِهِ مثقالَ ذرةٍ.
*السودانُ باقٍ.. شامخاً.. عصياً على الكسرِ.. رغمَ أنفِ كلِّ حاقدٍ.*
meehad74@gmail.com
تجلّيات العِشق النبوي ومَشْهَدِيّة (البرزنجي) تُشرِق في ختام المولد بمسجد شمس الدين
في رحابٍ تُعانق فيها الأرواحُ نفحاتِ الذِّكْر ، وتسمو القلوبُ عروجًا إلى حضرةِ الحبيبِ الم…





