السودان… وسمك الثيسيوس النيلي
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمعٍ لا يستطيع حل أزماته، أن يتعلم كيف يتشاجر حول أشياء لا وجود لها.
تخيل أن تستيقظ ذات صباح، فتجد السودان كله يتحدث عن نوع نادر من الاسماك النيلية و اسمها « سمكة الثيسيوس».
احدهم يقول إنها من انواع الأسماك النيلية المهددة بالانقراض، وآخر يتهم الحكومة بتلويث المياه وعدم محاسبة المصانع التي تفرغ مخلفاتها في النيل ، وثالث يربطها بمؤامرة خارجية ضمن حرب المياه القادمة وان الداخل السواني منكفء ومنشغل بالحرب على الرغم من دعوات وقف الحرب فورا والجلوس الى طاولة التفاوض ، ورابع يطالب بتشكيل لجنة تحقيق على جناح السرعة تضم متخصصين لدراسة الأسباب والدوافع وتقديم توصياتها بأقصى سرعة حتى تتخذ الحكومة القرارات المناسبة خصوصا انه الجهاز التنفيذي منشغل بقضايا ليست ذات أهمية خصوصا مياه النيل والثروة المائية والسمكية ، وخامس يطرح نفسه عالم احياء متخصص يشرح الخصائص البيولوجية لهذا النوع من الاسماك بثقة وانها من فصيلة نادرة من الأسماك النيلية المهددة بالانقراض وانها ذكر وانثى في ذات الوقت اي خنثى…
ثم تكتشف، بعد كل هذا الصخب، أن هذا النوع من الاسماك لا وجود له من الأساس لا في نهر النيل ولا اي بحار العالم ولا أنهاره!
> هنا لا تعود القضية قضية سمكة.
القضية تصبح: كيف استطاعت سمكة غير موجودة أن تسرق انتباه مجتمع كامل؟
وهنا تبدأ #أصل_القضية
نحن لا نعاني فقط من الحرب، ولا من الاقتصاد، ولا من انهيار المؤسسات، ولا من أزمة السياسة. نحن نعاني كذلك من أزمة الإنتباه.
ففي المجتمعات المنهكة، يصبح الانتباه موردًا نادرًا. ومن يستطيع أن يحدد للناس ماذا يناقشون، وماذا يصدقون، ومَن يهاجمون، ومَن يبرئون، يستطيع ــ إلى حد بعيد ــ أن يحدد اتجاه المجتمع نفسه.
> ولهذا، قد لا تحتاج إلى السيطرة على عقول الناس بالكامل يكفي أن تشغلها بما لا يستحق.
قد يتحول مقطع قصير إلى قضية وطنية، وتصريح عابر إلى معركة، وشائعة إلى حقيقة، وشخص إلى عدو عام، بينما تتراجع خلف الستار أسئلة أكثر خطورة:
●أين الدولة؟
●كيف ستُعاد بناء المؤسسات؟
●كيف سيعود التعليم الى المسار الصحيح؟
●كيف ستُستعاد الثقة؟
●كيف نحمي الموارد؟
●كيف نعيد تشغيل الاقتصاد؟
●كيف نحول الذهب والمياه والأرض والموانئ والموقع الجغرافي من أسباب للتنافس إلى أدوات للتكامل؟
> هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تصنع مستقبل السودان.
نعود إلى «سمك الثيسيوس» … الذي يظهر كلما اقتربنا من الأسئلة الحقيقية.
وفي السودان، قد لا تكون المشكلة أن الناس لا تعرف الحقيقة، بقدر ما أن هناك من يصنع ضجيجًا هائلًا يمنعها من الوصول إليها.
وهنا تصبح إدارة الرأي العام جزءًا من إدارة الدولة.
فالمجتمع الذي يسمح للترند بأن يحدد أولوياته، وللشائعة أن تصنع خصومه، وللمنصات أن تختار معاركه، يصبح قابلًا للاستنزاف دون أن تُطلق عليه رصاصة واحدة.
وهذا لا يعني أن كل ما يدور في الفضاء العام تافه، ولا أن نطلب من الناس الصمت.بل يعني أن نتعلم الفرق بين القضية والضجيج، وبين المعلومة والتضليل، وبين النقد والتعبئة، وبين الحرية واختطاف الوعي.
ومن هنا تأتي رؤية الجسر والمورد.
● فالجسر ليس مجرد طريق يعبر عليه الناس من ضفة إلى أخرى؛ إنه قدرة على الانتقال من الفوضى إلى النظام، ومن الانقسام إلى التكامل، ومن رد الفعل إلى الفعل.
● والمورد ليس ذهبًا أو نفطًا أو ماءً فقط.
الانتباه نفسه مورد.
والثقة مورد.
والمعلومة مورد.
والوقت مورد.
والعقول مورد.
ورأس المال الاجتماعي مورد ربما يفوق كثيرًا ما نستخرجه من باطن الأرض.
لذلك، فإن السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المباني فقط، بل إلى إعادة إعمار الوعي.
نحتاج إلى مجتمع لا يركض خلف كل سمكة تُرمى أمامه، بل يسأل أولًا:
من ألقى السمكة؟
ولماذا الآن؟
ومن المستفيد من انشغالنا بها؟
وما القضية التي لا يريدوننا أن نراها؟
تلك الأسئلة ليست ترفًا فكريًا.
إنها جزء من الأمن الوطني.
فقد تستطيع دولة أن تحمي حدودها بالجيش، وأن تحمي اقتصادها بالقوانين، وأن تحمي مواردها بالمؤسسات؛ لكنها إذا عجزت عن حماية انتباه مواطنيها، فستظل أبوابها مفتوحة لكل من يريد أن يختار لها ما تفكر فيه.
وربما لهذا، فإن أخطر سمكة في السودان اليوم ليست تلك التي تسبح في النيل أو البحر الأحمر…
بل تلك التي لا وجود لها، ومع ذلك تجعلنا ننسى السودان نفسه.
فيا ايها السوداني…
قبل أن تسأل: أين سمك الثيسيوس وما هو ؟
اسأل. نفسك:
أين ذهبت القضية؟
زراعة الخرطوم تستعد لتنشيط تنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني
التقى د. سر الختم فضل المولى عبد اللطيف المدير العام لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية والر…





