‫الرئيسية‬ مقالات الشهادة السودانية.. ولاية الخرطوم تحرز الدرجة الكاملة
مقالات - ‫‫‫‏‫40 دقيقة مضت‬

الشهادة السودانية.. ولاية الخرطوم تحرز الدرجة الكاملة

إسماعيل شريف

2 سبتمبر 2026

لن تكون نتيجة الشهادة السودانية هذه المرة مجرد أرقام تُعلن، ولا أسماء أوائل تُذاع، ولا فرحة أسر بنجاح أبنائها. فخلف النتيجة حكاية أخرى. حكاية مدينة كاملة تحاول أن تستعيد انفاسها.

 

الخرطوم لم تكن هذا العام مجرد مكان للتصحيح والكنترول؛ كانت هي الأخرى تجلس أمام ورقة امتحان، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. وكان السؤال الاجباري هل تستطيع العاصمة أن تستعيد واحدة من أهم وظائف الدولة؟

 

الإجابة جاءت من آلاف المعلمين والمعلمات الذين عادوا إليها من شتى بقاع السودان، ومن المدارس التي فتحت أبوابها، ومن إدارة امتحانات السودان التي تحولت إلى خلية نحل، ومن الأحياء التي احتضنت المعلمين، ومن مؤسسات الدولة التي حشدت إمكاناتها لإنجاز المهمة. والآن، ونحن نقترب من إعلان النتيجة، تبدو الإجابة واضحة …لقد نجحت الخرطوم واحرزت الدرجة الكاملة في امتحان استعادة الحياة.

 

ثمانية آلاف معلم.. ومهمة وطنية واحدة

 

نحو ثمانية آلاف معلم ومعلمة شاركوا في أعمال الشهادة بولاية الخرطوم؛ بينهم نحو ستة آلاف في التصحيح، و1200 في أعمال الكنترول، و800 في التفريغ. جاءوا من ولايات السودان المختلفة إلى العاصمة، تاركين وراءهم أسرهم ومدارسهم والتزاماتهم، ليجلسوا أمام آلاف الأوراق التي تحمل أحلام الطلاب ومستقبلهم. لم يأتوا إلى الخرطوم هذه المرة ليدخلوا فصولاً دراسية. جاءوا ليعيدوا ترتيب المستقبل. وكان عليهم أن يعملوا وسط ظروف استثنائية، وأن يحافظوا في الوقت نفسه على أعلى درجات الدقة والسرية والانضباط. فالشهادة السودانية تاريخ عريض عريق . وأي خلل فيها يمس الطالب والأسرة والجامعة والدولة معاً لذلك عرفت بانها قضية أمن دولة.

 

11 مركزاً للتصحيح.. و52 مركزاً للسكن.

 

وفرت الولاية 11 مركزاً للتصحيح و52 مركزاً لسكن المعلمين والمعلمات المشاركين في أعمال الشهادة. وهنا تبدأ قصة الخرطوم الأخرى. المدارس فتحت أبوابها. الفصول امتلأت بالمعلمين بدلا عن الطلاب . في أم درمان والخرطوم وبحري وشرق النيل، لم تعد المدارس مجرد مبانٍ مهجورة وصامتة فقد عاد إليها الصوت. صوت حركة أوراق الامتحانات واقلام التصحيح وصوت الحياة.

 

إدارة الامتحانات.. خلية لا تنام

 

وفي قلب المشهد كانت إدارة امتحانات السودان. تفريغ وكنترول. رصد ومراجعة وتدقيق وقلبه وقلبة القلبه لكل رقم له أهميته. ولكل ورقة لها قصتها. وكل درجة قد تفتح أمام طالب باباً، أو تغلق أمامه باباً آخر. ولذلك لم يكن ممكناً التعامل مع المهمة باعتبارها إجراءً روتينياً. كان المطلوب استعادة العملية الامتحانية إلى الخرطوم، ولكن دون المساس بمصداقيتها ودقتها ونزاهتها وقوتها .. وفي نهاية أغسطس اكتملت أعمال التصحيح والرصد النهائي، ودخلت العملية مراحلها الأخيرة تمهيداً لإعلان النتيجة.

 

لم تكن الشهادة السودانية مهمة وزارة التعليم وحدها. كان واضحاً منذ البداية أن العملية تحتاج إلى الدولة بكل أجهزتها. رئيس الوزراء وقف على أعمال الكنترول في يونيو، وتابعت القيادات العليا سير العملية، كما تفقد رئيس مجلس السيادة مركز الكنترول في يوليو، والتقى المعلمين والعاملين، معلناً دعمه للعملية التعليمية والمعلمين. وتوالت زيارات وزير التعليم وقيادات الولاية للمراكز. وكان حضور المسؤول في مركز التصحيح رسالة للمعلم ان الدولة تعرف أنك هنا. وتعرف حجم ما تقوم به. وتعرف أن إنجاز الشهادة في الخرطوم، في هذه الظروف، ليس مهمة عادية.

 

الوالي والخدمات.. التفاصيل التي لا تظهر في النتيجة

 

وراء كل مركز تصحيح شبكة كاملة من الخدمات من مياه وكهرباء وإعاشة ونظافة وتأمين ورعاية صحية ومتابعة يومية. هنا يظهر الدور الحقيقي للمحليات والوزارات والأجهزة والمؤسسات التي عملت في الخلفية حتى لا تتعطل المهمة. وقد لا تظهر هذه الجهود في المؤتمر الصحفي يوم إعلان النتيجة. لكنها كانت ضرورية حتى تصل النتيجة إلى ذلك المؤتمر. فالامتحان لم يكن ورقة وأسئلة فقط. كان لوجستيات دولة كاملة. والمجتمع كان حاضراً لكن ربما تكون أجمل صفحات هذه القصة خارج المكاتب الحكومية. في الأحياء وفي البيوت وفي موائد السودانيين. فحين وصل المعلمون إلى مناطق مراكز التصحيح والسكن، لم يكن المواطنون مجرد متفرجين. عاد السودان القديم إلى الواجهة. ربات البيوت ترسلن الطعام. وجار يسأل عن احتياجات المركز. مواطن يقدم الماء. أسرة تستضيف أو تساعد. وربما لم تكن هذه الأشياء محسوبة في ميزانية الامتحان، لكنها كانت جزءاً من نجاحه. ففي السودان، هناك أشياء لا تحتاج إلى قرار حكومي. يكفي أن يشعر الناس أن الأمر يخصهم. والشهادة السودانية تخص الجميع.

 

ثم نصل إلى الرقم الذي تختصر عنده اصل هذه الحكاية فقد جلس للامتحانات على مستوى السودان نحو 564 ألف طالب وطالبة في 3333 مركزاً، بينهم نحو 60 ألفاً خارج السودان في 14 دولة.

 

نتيجة الخرطوم.

 

لقد كانت العاصمة خلال سنوات الحرب عنواناً للخراب والنزوح وتعطل المؤسسات. واليوم تستقبل آلاف المعلمين وتفتح مدارسها وتستعيد مكاتبها. وتستضيف واحدة من أكبر العمليات الوطنية والقومية وتستحق ارفع وسام .. من حق ولاية الخرطوم أن تنظر إلى هذه التجربة باعتبارها واحدة من علامات استعادة العافية.

ولذلك فإن الشهادة السودانية هذا العام تستحق أن تكون وساماً في صدر الخرطوم. أما النتيجة التي ستُعلن للطلاب، فستأتي بعد قليل. بينمت النتيجة التي صنعتها الخرطوم، فقد كُتبت بالفعل المادة …هنا كانت الحرب… وهنا عاد التعليم. هنا توقفت الحياة طويلاً… وهنا بدأت تستعيد نبضها. وهنا، في قلب الخرطوم، ولدت الشهادة السودانية من جديد

‫شاهد أيضًا‬

هل تنقذ المعالجات الأمنية اقتصاد السودان؟

اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء برئاسة وزير الدفاع الفريق حسن كبرون ، لمواجهة المهددات الاق…