السودان.. أصل أم التزام
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> في المحاسبة، لا تبدأ المراجعة بما نريد أن نراه، وإنما بما هو موجود فعلًا: أصول، والتزامات، وخسائر، ومخصصات، وأرصدة تحتاج إلى تحصيل. وللدول أيضًا حساباتها… وإن لم تكن دفاترها مصنوعة من الورق.
السودان اليوم أمام واحدة من أكبر عمليات المراجعة في تاريخه الحديث ، ماذا خسر؟ ماذا بقي؟ ماذا عليه؟ وما الذي يستطيع أن يستعيده؟
ليس المقصود أن نحول الدولة إلى شركة، فالدولة ذات السيادة أكبر من أن تختزل في قوائم مالية وإنما أن نستعير من المحاسبة دقتها في رؤية ما نخسره وما نملكه وما نلتزم به.
ومنذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، تغيّرت أرقام كثيرة في دفتر السودان.
بيتٌ نُهب، متجرٌ أُحرق، مصنعٌ توقف، مزرعةٌ تعطلت، مدخراتٌ تبخرت، ومواطنٌ خرج من منزله وهو لا يعرف هل يعود إليه أم يصبح عنوانًا في ذاكرة النزوح.
> هذه في الحسابات خسائر وانخفاضات في قيمة الأصول.
لكن ..
كيف نسجل محاسبيًا سنواتٍ دراسية اختُزلت، وتنقل طلاب المدارس مابين اربعة فصول دراسية في سنتين فقط؟
كيف نقيد فقدان الأمان؟
وأين نضع الثقة التي تصدعت بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمواطن وفي اي قأئمة نعبر عنها؟
> هنا تكشف الحرب أن بعض أثمن أصول الدولة لا تظهر في الميزانية أصلًا.
ومع ذلك، عندما ننظر إلى السودان، نكتشف مفارقة تستحق التأمل.
نحن لسنا دولة بلا أصول ، لدينا الأرض والماء والنيل والذهب والزراعة والثروة الحيوانية والساحل والموانئ، وموقع جغرافي يضع السودان في نقطة التقاء دوائر عربية وأفريقية وبحرية، وفوق كل ذلك الإنسان السوداني.
> لكن المحاسبة تفرق بين وجود الأصل وبين كفاءة استثماره.
قد يكون الأصل قائمًا لكنه معطل، أو منتجًا بأقل من طاقته، أو تُستخرج قيمته لمصلحة غير مالكه ، وهنا ينبغي أن يتغير السؤال.
ليس: ماذا نملك؟
بل ..
كم تساوي أصولنا إذا أحسنا إدارتها؟
كم تساوي الأرض حين تتحول إلى أمن غذائي وصناعة وصادرات؟
كم تساوي المياه حين تصبح موردًا منتجًا لا مجرد حدود جغرافية؟
كم يساوي الذهب إذا انتقل من خام يُستخرج إلى قيمة تُصنع داخل السودان؟
وكم يساوي الموقع الجغرافي إذا تحول إلى موانئ ولوجستيات وتجارة ونفوذ؟
> المورد لا يصبح قوة بمجرد امتلاكه؛ القوة تبدأ حين نعرف قيمته ونحسن تحويله إلى قيمة مضافة.
وهنا تلتقي رؤية الجسر والمورد مع علم المحاسبة، أن نعبر من امتلاك المورد إلى إدارة المورد، ومن إدارته إلى صناعة القوة.
لكن لكل أصل وجه آخر ، الالتزام..
●الحرب التزام.
●إعادة الإعمار التزام.
●إعادة النازحين واللاجئين التزام.
●إصلاح التعليم والصحة والمؤسسات التزام.
●وإعادة بناء الثقة… ربما كانت أكبر الالتزامات وأطولها أجلًا.
وهنا يحضر مفهوم المخصصات.
المخصص في المحاسبة ليس إعلانًا للهزيمة ، إنه اعتراف مبكر بأن هناك تكلفة محتملة يجب الاستعداد لها. والدولة التي خرجت من حرب تحتاج إلى مخصصات للمخاطر، وللتعافي، ولإعادة الإعمار، ولرأب الصدع الاجتماعي، ولمنع تكرار الأزمة.
> فما لا نخصص له اليوم، قد ندفع ثمنه غدًا من أصل الدولة نفسها.
ثم هناك بند أكثر حساسية ، الديون المشكوك في تحصيلها.
> فليست كل الديون مالية.
هناك وعود سياسية، واتفاقات، ومبادرات، وتعهدات تراكمت في الذاكرة السودانية حتى أصبح السؤال مشروعًا..
> أيُّ رصيدٍ منها ما زال قابلًا للتحصيل؟
ومع تشكيل لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من يشارك؟ ومن لا يشارك؟
السؤال الأعمق هو ..
●هل يستطيع هذا الحوار استرداد الثقة التي فقدها السودان؟
●هل يصل إلى الذين فرقتهم الحرب؟
●هل يستوعب اختلاف التجارب بين السودانيين؟
●وهل يضع الشباب في قلب المعادلة؟
فالشباب ليسوا مجرد نسبة تمثيل يمكن إضافتها إلى كشف المشاركين ، إنهم أصحاب المصلحة الأكبر في السنوات التي ستأتي بعد انتهاء هذا الحساب الطويل ، ولا معنى لبناء مستقبل باسمهم دون أن يكون لهم صوت في صياغته ، لذلك، ربما يحتاج السودان إلى ما يشبه المراجعة الوطنية الشاملة..
●جردٌ حقيقي للأصول.
●حصرٌ صريح للخسائر.
●تقييمٌ دقيق للالتزامات.
●مخصصاتٌ للمخاطر.
●مراجعةٌ للاتفاقات.
●تمييزٌ بين ما يمكن تحصيله وما أصبح رصيدًا مشكوكًا فيه.
●ثم إعادة بناء الأصل الأهم: الثقة.
> لأن السيادة ليست علمًا يرفرف فوق مبنى، ولا حدودًا مرسومة على خريطة فقط السيادة أيضًا أن تعرف الدولة قيمة ما تملك، وكلفة ما تلتزم به، وحدود ما تستطيع التنازل عنه، وما الذي يجب أن تفاوض عليه من موقع المعرفة لا الحاجة.
وهنا تصبح المحاسبة أكثر من علم للأرقام ، تصبح أداة لحماية القرار الوطني فالدولة التي لا تعرف قيمة أصولها، قد يدخل الآخرون إلى دفترها بأرقامهم.
والدولة التي لا تدير التزاماتها، قد تجد أن مستقبلها أصبح مرهونًا بتسويات الماضي.
لهذا…
السؤال لم يعد: ماذا تبقى للسودان؟
بل ، كم تساوي أصول السودان التي بقيت… وكيف نحولها إلى قوة؟
فالأمم لا تنهض بكثرة أصولها فقط بل حين تعرف قيمتها، وتحسن إدارتها، وتخفض التزاماتها، وتسترد ما يمكن استرداده من ديون الماضي… وتترك للأجيال القادمة دولةً لا مجرد كشف حساب.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
تقرير وطني يرصد 5 سنوات من جهود السودان في خفض الفقر
ترأس مفوض مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، د. محمد علي سالم، صباح اليوم بقاعة …





