إعلام الغد: من أزقة الركام إلى بناء الوعي الوطني
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في لحظات التحول التاريخية العاصفة، لا تقاس قيمة الخطابات الرسمية بما تحمله من زخرف القول أو محاولة دغدغة العواطف، بل بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة الصعبة والتأسيس لرؤية مستقبلية تتجاوز مرارة الواقع. وحين يتحدث مسؤول رفيع رفقة قيادات الدولة التنفيذية وحشد من الفاعلين في المشهد الصحفي والثقافي في ملتقى يضم نخبة صناع الرأي، فإن الأهمية لا تكمن فقط في تقييم ما أحدثته الحرب من دمار في بنيتنا الاجتماعية والاقتصادية، بل في كيفية تحويل هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق جديدة لإعادة بناء الإنسان والمؤسسات على حد سواء.
لقد أثقلت الحرب كاهل الوطن وأحدثت جراحاً عميقة في الإنسان والاقتصاد والنسيج الاجتماعي، إلا أن الرؤية الحقيقية التي ينبغي أن تحكم التعاطي مع هذه الأزمة تكمن في التحول من السؤال الاستسلامي: “ماذا فعلت الحرب بنا؟” إلى السؤال الإيجابي الفاعل: “ماذا ينبغي أن نفعل نحن بما فعلته الحرب بنا؟”. إن الدفاع عن سيادة البلاد ووحدتها لا يقتصر على الصمود في الميدان وتثمين تضحيات القوات المسلحة والقوات المساندة والمستنفرين والترحم على الشهداء والدعاء للجرحى، بل يتعدى ذلك إلى تحمل مسؤولية التفكير في المستقبل، لأن آثار الحروب تظل محفورة في الذاكرة وفي بنية الاقتصاد ومؤسسات الدولة.
في هذا السياق، يحضر مفهوم الحوار في كافة القطاعات الوطنية بوصفه ضرورة قصوى وليس مجرد ترف سياسي. الحوار المطلوب هو الذي يتيح للاختلاف أن يتجلى دون أن يتحول إلى انقسام، والتعدد أن يثري دون أن يؤدي إلى تصدع النسيج الوطني. ووفق المثل الشعبي البليغ: (إن طابت النفوس، العنقريب بشيل عشرة أو يزيد)، نجد أنفسنا أمام اختبار حقيقي بحماية حق الاختلاف وإدارة التنوع الفكري دون تحويله إلى صراع أو انقسام صفري، والحفاظ على وحدة الصف بعدم اتخاذ الوحدة كذريعة لإلغاء التعددية أو مصادرة الرأي الآخر، وإدراك المصير المشترك بالإيمان بأن الوطن أكبر من أن يُختزل في رؤية فئة أو مؤسسة واحدة.
تتجلى مسؤولية الصحافة والإعلام في فترات الأزمات الكبرى كأداة لحماية الوعي ومساءلة المؤسسات وتصحيح المسار. الصحافة الحرة والمسؤولة ليست رفاهية تُؤجل إلى زمن السلم، بل هي ركيزة أصلية لحماية الوطن. إن ما نحتاجه اليوم ليس صحافة تسعى لإرضاء السلطة، ولا صحافة تجعل من معارضة السلطة غاية في ذاتها؛ بل صحافة تنحاز بالكامل للحقيقة والمصلحة العامة.
إن وحدة الصف الصحفي لا تعني بالضرورة التطابق في الرأي، بل تعني الاختلاف التعددي تحت مظلة المصلحة الوطنية العليا. ويقع على عاتق المؤسسات الرسمية تحويل علاقتها بالصحافة إلى علاقة شراكة ومسؤولية مشتركة خالية من الوصاية أو الخصومة؛ بحيث تقتصر وظيفة الدولة على تهيئة البيئة المشجعة على التفكير والإبداع والاستماع للخبراء قبل سن السياسات.
إن أكبر معوقات الإصلاح في دولنا هي تراكم التوصيات على الأرفف دون تنفيذ. والفرصة التي أتاحتها هذه المحنة رغم قسوتها تكمن في مراجعة المسلمات؛ فهل نعيد بناء إعلام الأمس بنفس الأدوات القديمة، أم نمتلك الشجاعة لبناء إعلام الغد؟
بإعادة بناء الثقة والبيئة المهنية وتجديد العلاقة بين الصحفي والمؤسسة والجمهور على أسس النزاهة والمصداقية، والاستثمار في الإنسان والوعي: إن استعادة عافية المؤسسات لا تعني الأجهزة والمباني فقط، بل البناء الفكري والنفسي للإنسان، بالإضافة إلى تفعيل القوة الناعمة: استخدام الثقافة لبناء الوعي، والإعلام لتشكيل الرأي العام، والتراث لحفظ الذاكرة، والسياحة كرافد اقتصادي وتنموي.
السؤال الجوهري في هذه المرحلة ليس “من ينتصر على من؟”، بل “أي سودان نريد أن نخرج به من هذه الحرب؟”. التحدي الحقيقي يكمن في امتلاك شجاعة بناء ما ينبغي أن يكون، والعبور من ضيق الانتماءات الضيقة وسؤال (من تكون؟ ومن أكون؟) إلى رحاب السؤال الوطني الأكبر والأبقى: (ماذا نستطيع أن نصنع معاً من أجل هذا الوطن وشعبه الصابر؟).
إدارة الحرب ضد أكاذيب الكيماوي
في ميادين القتال لا تحسم المعارك بالبندقية وحدها بل تحسم كذلك بالقلم وبالكلمة وبالرواية ال…





