رهان النهضة المنسي: كيف تعيد البذور الأصيلة والزراعة التعاقدية صياغة الاقتصاد الوطني؟
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لا شك أن المتأمل في خريطة الاقتصاد السوداني يدرك تماماً أن ثروات البلاد الكامنة في باطن الأرض وسطحها تكفي لتحقيق قفزة تنموية كبرى، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية وتُوجّه السياسات الاقتصادية نحو القطاعات الإنتاجية الحقيقية وفي مقدمتها الزراعة. وفي هذا السياق، تبرز دعوات حيوية أطلقتها قيادات قطاع الأعمال مؤخراً، لتسليط الضوء على ضرورة إحداث انعطافة استراتيجية ترتكز على محصولين محوريين: القطن وفول الصويا. إن هذه الدعوة ليست مجرد ترف فكري، بل هي خارطة طريق عملية قابلة للتنفيذ لانتشال الاقتصاد من أزماته وإعادته إلى مسار التعافي والنمو المستدام.
على مدى عقود طويلة، شكّل القطن عصب الاقتصاد السوداني والرافد الأساسي للخزينة العامة بالعملات الأجنبية، حتى سُمي بحق “الذهب الأبيض”. بيد أن التراجع الملحوظ الذي شهده هذا القطاع الحيوي خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية يمثل درساً بليغاً في خطورة الارتجال والانسياق وراء خيارات تقنية غير مدروسة. فقد أدى إدخال زراعة القطن المحور وراثياً إلى نتائج عكسية، أضعفت تنافسية المنتج السوداني في الأسواق العالمية وأفقدته العديد من الخواص الفريدة التي كانت تميزه بالجودة والمتانة.
من هنا، تأتي الدعوة الملحة لوزارة الزراعة ومجلس السلامة الإحيائية لتسهيل استيراد التقاوي والبذور المحسنة تقليدياً وليس المحورة وراثياً. إن هذا التوجه يتيح للبلاد إنتاج قطن فائق الجودة يلبّي المعايير العالمية الصارمة، فضلاً عن الاستفادة القصوى من بذوره في صناعة الزيوت النباتية وتغذية الحيوان، مما يعظم القيمة المضافة للمحصول بدلاً من تصديره بصورة خام. إن استعادة مجد القطن السوداني تتطلب شجاعة تنظيمية في مراجعة السياسات وإزالة العقبات أمام استيراد المدخلات النقية التي تضمن استعادة السمعة الدولية للمنتج.
إلى جانب القطن، يبرز فول الصويا كملاذ اقتصادي آمن وكنز حقيقي يمكنه تغيير وجه الاقتصاد الوطني بأكمله. يشهد السوق العالمي طلباً متصاعداً وغير مسبوق على هذا المحصول نظراً لتعدد استخداماته الاستراتيجية، فهو يدخل بقوة في الصناعات الغذائية المتقدمة، وصناعة الأعلاف الحيوانية، فضلاً عن دخوله الأساسي في الصناعات التحويلية والزيوت.
إن عائدات تصدير فول الصويا تصل إلى أرقام فلكية تمتد لعشرات المليارات من الدولارات على المستوى الدولي، وهو ما يمنح السودان فرصة ذهبية لولوج هذه الأسواق الواسعة بقوة. إن توجيه الجهود نحو التوسع في زراعة الصويا لا يمثل مجرد خيار زراعي، بل هو رافعة مالية كبرى قادرة على رفد الخزينة بالعملات الصعبة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وخلق شبكة واسعة من فرص العمل للشباب في قطاعات الإنتاج والتصنيع الزراعي.
إن أي حديث عن النهوض بالقطاع الزراعي يظل حبراً على ورق ما لم يقترن بآليات تنفيذية دقيقة ومجربة على أرض الواقع. وهنا يبرز نظام (الزراعة التعاقدية) كأداة عبقرية لحل الإشكالات المزمنة التي تواجه المزارعين، مثل صعوبة التمويل، وغياب التسويق المضمون، وتقلبات الأسعار.
لقد أثبت التجريب العملي على مساحات شاسعة تجاوزت مئة ألف فدان في شمال ووسط أحد أكبر المشاريع الزراعية في البلاد، نجاحاً لافتاً وملموساً. هذا النجاح لم يقتصر على مضاعفة الإنتاجية وزيادة المحصول فحسب، بل امتد ليتجلى في التغير الجذري نحو الأفضل في حياة المزارعين المعيشية، وتحويلهم من شرائح تعاني من العثرات المالية إلى منتجين فاعلين وقادرين على الاستمرار. إن تعميم هذا النموذج يضمن شراكة ذكية بين رأس المال والمزارع والدولة، ويوفر بيئة جاذبة للشباب للعودة إلى الحقول والانخراط في الدورة الإنتاجية.
ختاماً، إن تحقيق الأمن الاقتصادي المنشود وتأمين المستقبل المالي للبلاد يبدآن من حقول الإنتاج. إن توفير مدخلات الإنتاج الأساسية، وإدخال التقانات الحديثة، وتعديل السياسات التنظيمية بما يشجع الاستثمار المحلي والأجنبي، كلها خطوات لا غنى عنها للانتقال من مرحلة الاعتماد على الموارد المحدودة إلى آفاق التصنيع الزراعي والتصدير الواسع. وحين تتضافر جهود الدولة مع خبرات القطاع الخاص الوطني الواعية، فإن الاقتصاد السوداني لن يكتفي بتجاوز كبوته فحسب، بل سينطلق واثقاً نحو آفاق رحبة من الازدهار والتنمية المستدامة.
المقاومة الشعبية بشمال دارفور تعلن الجاهزية لإسناد معركة تحرير الفاشر
أكدت المقاومة الشعبية بولاية شمال دارفور جاهزيتها لإسناد معركة تحرير مدينة الفاشر وكل مدن …





