‫الرئيسية‬ مقالات حين تُستغل المآسي: كيف يُراد تحويل شريط حدودي إلى ساحة فتنة؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

حين تُستغل المآسي: كيف يُراد تحويل شريط حدودي إلى ساحة فتنة؟

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

 

في أوقات الأزمات والتوترات، لا تقل خطورة التضليل الإعلامي والشائعات عن خطورة الحوادث الميدانية ذاتها؛ بل قد تتعداها عندما يستهدف الشحن المعنوي روابط تاريخية وشعبية وثيقة جمعت بين مصر والسودان عبر جغرافيا ممتدة ومصالح استراتيجية مشتركة. وما أُثير مؤخراً بشأن التطورات والأحداث على الشريط الحدودي بين البلدين، وما رافقها من تصعيد إعلامي وميداني متزامن، يفرض الاحتكام إلى الوعي والحكمة، ورفض محاولات استغلال الدماء والأحداث المؤلمة لتأجيج الفتنة والوقيعة بين الشعبين الشقيقين.

لا يمكن بأي حال التقليل من قيمة الأرواح البشرية التي تُزهق، ولا تجوز التغطية على أي تجاوزات أو انتهاكات يُثبت التحقيق وقوعها، فالإنسان وكرامته هما الأصل. إلا أنه من الضروري بمكان التمييز بين حق الدولة المشروع في حماية حدودها الوطنية، ومواجهة أنشطة التهريب والتنقيب غير المشروع عن الذهب وفرض سيادتها والقانون داخل أراضيها، وبين الالتزام بالمعايير القانونية وضوابط استخدام القوة.

بالدخول إلى المناطق الحدودية المحظورة أو ممارسة أعمال غير شرعية- حتى وإن ثبت- لا يسقط الحقوق الأساسية للأفراد، وفي المقابل، فإن وقوع ضحايا لا يكفي بذاته لإطلاق أوصاف قانونية جسيمة مثل “جرائم حرب” دون إجراء تحقيقات مستقلة واستناد إلى أدلة قاطعة تُستوفى فيها الشروط والشواهد القانونية والدولية.

ويجدر التأكيد هنا على أن الحملات الأمنية الصارمة لمواجهة التنقيب غير القانوني تُنفذ ضد كل من يخالف القانون ويتجاوز الحدود في تلك المناطق المحددة، بغض النظر عن جنسيته، سواء كان مواطناً محلياً أو أجنبياً؛ فالأمر يرتبط بتطبيق القانون وفرض السيطرة الأمنية وتوجيه تحذيرات مسبقة عبر المنشورات وإجراءات إنفاذ القانون لحماية الموارد القومية، وليس استهدافاً لرعايا دولة بعينها أو فئة محددة كما تحاول بعض الخطابات الترويج له.

شهدت الساحة خطوات رسمية يُفترض البناء عليها لتبيان الحقائق كاملاً؛ إذ أعلن المتحدث العسكري المصري عن تنفيذ مراحل متقدمة من حملات مكافحة التنقيب غير المشروع بالصحراء الشرقية بعد توجيه منشورات وتنبيهات تحذيرية، مع التكثيف على ضرورة استقاء الأنباء والمعلومات من مصادرها الرسمية الموثوقة وعدم الانسياق وراء الشائعات والأجندات المضللة.

وفي الاتجاه ذاته، وجّه رئيس مجلس السيادة في السودان بتشكيل لجنة تقصي حقائق وتحقيق عالية المستوى تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية المباشرة للوقوف على كافة ملابسات الحادثة والظروف المرتبطة بها، والرفع بتقرير شامل للنتائج.

إن هذه المسارات والمواقف الرسمية والتواصل المستمر بين قيادتي البلدين هي السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة وصون الحقوق، بدلاً من استباق النتائج وإطلاق الأحكام القاطعة عبر المنصات والمساحات التفاعلية. وتظل هناك أسئلة مشروعة ومستحقة حول مصدر الصور والمقاطع المتداولة ومدى دقتها وارتباطها الزمني والمكاني بالواقعة، وهي تفاصيل لا يمكن الجزم بها إلا عبر لجان التحقيق المستقلة والجهات المختصة؛ إذ ليس كل ما يُنشر عبر وسائل التواصل حقيقة متكاملة، ولا يُعد تكرار الاتهامات دليلاً على صحتها.

من اللافت أن بعض الخطابات الإعلامية والسياسية المحسوبة على أطراف معينة تتناول مثل هذه الحوادث بانتقائية واضحة؛ إذ تجند طاقتها لتصعيد الخطاب والتحريض وتوظيف المآسي الإنسانية خدمة لأجندات وصراعات إقليمية وضغوط سياسية، في حين تتجاهل أو تغض الطرف عن انتهاكات جسيمة وفظائع دامية يرتكبها كبار الفاعلين الميدانيين بحق المدنيين العزل في مناطق متفرقة داخل وخارج الحدود.

إن الرد الواعي على هذه الانتقائية والمزايدات لا يكون بإنكار معاناة الضحايا أو تبرير أي خطأ، بل بتطبيق معيار أخلاقي وقانوني موحد وثابت على الجميع: حماية المدنيين وصون كرامة الإنسان، وكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.

وتزداد حساسيات الموقف وتتعاظم المخاطر مع وقوع حوادث متزامنة هنا وهناك، كأحداث إطلاق النار أو الاعتداءات الفردية المتفرقة التي يروج لها البعض إعلامياً. وعلى الرغم من التزامن الزمني، لا يوجد أي دليل يثبت وجود رابط مباشر بين هذه الواقعة وتلك، أو أن إحداهما تمثل رد فعل مباشر على الأخرى؛ وبالتالي فإن الربط التعسفي وبث الشائعات يفتتحان باباً خطيراً للاتهامات العشوائية وتغذية مشاعر الانتقام والفتنة المجتمعية.

تتجلى في هذه اللحظات الفارقة مسؤولية الصحفيين والإعلاميين وصناع المحتوى؛ إذ يتحتم عليهم الالتزام بالمهنية والدقة، والتحقق من صحة الصور والأخبار من مصادرها الرسمية والمستقلة قبل نشرها، والتمييز الواضح بين الحقائق الثابتة والادعاءات العاطفية المجهزة، وتجنب التحول إلى أدوات لترويج روايات مبتورة أو استقطابية. إن الأمر يتعلق بمسؤولية أخلاقية تجاه أرواح بشرية وأسر تنتظر العدالة والحقيقة، وتجاه علاقات شعبية استراتيجية قد تدفع ثمناً باهظاً جراء كلمة غير مسؤولة أو خبر مضلل.

إن العلاقات التي تربط بين الشعبين والممتدة عبر التاريخ والمصير المشترك والمصالح الاستراتيجية أكبر وأعمق من أن تُختزل في حادثة عابرة أو تُترك رهينة لحملات التحريض والتحشيد. إن المطلوب اليوم هو إفساح المجال للتحقيقات الرسمية والعدلية لكشف كافة التفاصيل والملابسات، وضمان المحاسبة الصارمة عند ثبوت التجاوز، والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس، ورفض لغة التعميم والتحريض الانتقامي.

فلندع التحقيقات الرسمية تأخذ مجراها لكشف الحقيقة وإرساء العدالة، ولنقف جميعاً ضد تحويل دماء المواطنين الشرفاء إلى وقود لفتن وأجندات لا تخدم سوى من يوقدون الحرائق ويتظاهرون بالبكاء عليها. العلاقات الأخوية المصيرية والمستقرة تستحق من الجميع قدرًا أكبر من الحكمة والمسؤولية القومية والإنسانية.

‫شاهد أيضًا‬

حلفا تعزز الرقابة على الغذاء.. تدشين دورة تدريبية لتاهيل مفتشي الاغذية الواردة والصادرة

دشن المدير التنفيذي لمحلية حلفا الاستاذ ابو عبيدة ميرغني برهان بقاعة رئاسة المحلية الدورة …