‫الرئيسية‬ مقالات دماء الأطفال في الميزان: متى تتوقف محاولات المساواة بين الجاني والضحية؟
مقالات - ‫‫‫‏‫49 دقيقة مضت‬

دماء الأطفال في الميزان: متى تتوقف محاولات المساواة بين الجاني والضحية؟

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

ينبثق الوعي الحقيقي للأزمات الوطنية من القدرة على تفكيك المشهد بموضوعية مجردة، بعيداً عن التشويش العاطفي أو التوظيف السياسي المصلحي. وحين يتعلق الأمر بأرواح الأبرياء، لاسيما الأطفال الذين يُفترض أنهم في ذمة الطفولة الآمنة، فإن أي محاولة للمساواة بين الجاني والضحية تمثل سقوطاً أخلاقياً قبل أن تكون انحرافاً سياسياً. إن الواقع المأساوي الذي تعيشه مدن السودان، وتحديداً العاصمة الخرطوم، يفرض علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نوجه أصابع الاتهام بحزم نحو الطرف الأصيل المسؤول عن سفك الدماء، بدلاً من التباكي المزدوج الذي يخلط الأوراق ويُشرعن الجريمة.

لم يعد خافياً على أحد حجم الاستهتار المستمر بأرواح المواطنين الأبرياء، وهو استهتار تقوده آلة موت غاشمة لا تفرق بين مدني أعزل ودفاع مدني أو مؤسسة عسكرية. ولعل الفاجعة المؤلمة التي شهدها مربع (1) بامتداد ناصر – بالقرب من جامع بابكر ود الجبل – تجسد أقصى درجات القسوة والدموية؛ إذ سقطت طائرة مسيرة تابعة للمليشيات في الساعات الأولى من الصباح الباكر، لتخلف وراءها مجزرة بشعة بحق ثلاثة أطفال أبرياء: ولدان لابنة المؤذن وطفل ثالث، تتراوح أعمارهم بين السنتين والخمس سنوات والثماني سنوات.

وهي فاجعة تتضاعف مرارتها الإنسانية حين نعلم أن هؤلاء الصغار لم يتركوا والدهم حياً، بل كان قد ارتقى شهيداً خلال أتون هذه الحرب بدانة غادرة. إن هذه الدماء الذكية التي تُسفك بلا ذنب ولا جُريرة، بالتزامن مع تواصل هجمات المسيرات على مناطق مختلفة ومتفرقة من العاصمة، تمثل وصمة عار في جبين من يستهدفون دور العبادة والبيوت الآمنة والمساكن المدنية، وتؤكد بوضوح عديم المروءة أن هذه القوات لا تُقيم وزناً لحرمة دم أو طفولة.

في خضم هذا التشرد الطويل والمعاناة القاسية في مخيمات اللجوء ومنافي الاغتراب، وما يتبعها من ملاحقات قاسية ومضايقات أمنية ومعيشية بسبب مخالفات الإقامة، جاءت النداءات الحكومية لتشجيع المواطنين على العودة إلى ديارهم وتجنب مرارة الاغتراب. ولا شك أن حماية المواطنين وتوفير بيئة آمنة لهم تمثل المسؤولية الدستورية والأخلاقية الأولى لأي دولة تسعى لبسط سيادتها وحماية كرامة شعبها.

غير أن القراءة العقلانية للمشهد لا يجوز أن تتجاهل طبيعة الحرب غير التقليدية التي تخوضها الدولة ضد ميليشيا متمردة تتخذ من المدنيين دروعاً بشرية وتستهدف الأحياء السكنية بالطائرات المسيرة. إن من يضغط على الزناد ويوجه المسيرات نحو البيوت والمساجد والمرافق الخدمية هو الجاني الحقيقي، ولا يمكن بحال من الأحوال التساوي أخلاقياً بين دولة تطالب بحماية مواطنيها وبين مليشيا تقتلهم بدم بارد. إن توجيه اللوم للحكومة وحدها متجاوزين أصل الجريمة يمثل تبريراً مبطناً للمعتدي ومحاولة يائسة لتبييض سجله الإجرامي.

تظل المسؤولية الكبرى قائمة وثقيلة على عاتق الدولة ومؤسساتها؛ فتأمين المرافق الخدمية، وضمان استقرار الخدمات الأساسية، وتوفير الحد الأدنى من شروط السلامة العامة، هي التزامات لا تسقط بالتقادم. وقد عادت أعداد غفيرة من المواطنين إلى الخرطوم استجابةً للدعوات الرسمية والتأكيدات المستمرة بأن العاصمة باتت آمنة وقابلة للحياة، لتصطدم للأسف بواقع مرير تحت رحمة طائرات المسيرات المتناثرة.

هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي وخطير. إن إعادة الإعمار وعودة النازحين لا يمكن أن تنجح أو تؤتي ثمارها ما لم يسبقها تأمين شامل يقتلع جذور التهديد الأمني ويحمي المدنيين من بطش المليشيا.

إن إدانة المليشيا التي تقتل الأطفال وتستهدف المواطنين في بيوتهم ومساجدهم يجب أن تظل هي البوصلة الثابتة لأي تحليل منصف أو طرح وطني صادق. لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، وتحديد المسؤول عن الجريمة أولاً، قبل الشروع في تقييم أداء الحكومة أو توجيه النقد لإجراءاتها. إن أرواح أطفال امتداد ناصر وغيرهم من ضحايا هذا العبث الدموي ليست ورقة مساومة سياسية، بل هي أمانة في أعناق الجميع، تستوجب صفاً وطنياً موحداً يضع حداً لهذه المأساة ويقتص للضحايا من جلاديهم.

‫شاهد أيضًا‬

حين يُقتل الأطفال في امتداد ناصر.. يسقط قناع السلام الزائف

ليست مجرد مسيرة سقطت في حي سكني. ما جرى صباح الاثنين *19 أكتوبر 2026* في مجمع ود الجبل الإ…