دومة ود حامد: الدولة الموازية التي لا تقطع محاولة قراءة خارج ثنائية الأصالة والحداثة
فضل المولي بدوي زايد

تناول معظم من كتبوا عن قصة (دومة ود حامد) للقاص والروائي الطيب صالح زوايا الأصالة ضد الحداثة، البركة ضد ماكينة الماء، الجد ضد الحفيد، أو يمكن أن نقول أن الكتابات ظلت تدور حول هذا الصراع.
أحاول من خلال هذا المقال – وبالقطع ليس نقديا- لأني لست بناقد بل قارئي نهم للأدب فقط، انا اتناولها من منظوري الخاص، فالطيب صالح اختار الدومة وليس النخلة لأنها بلا قيمة اقتصادية تذكر في السودان في ذلك الوقت بلا شك، ليبرهن أن دفاع الأهالي وجداني خالص، وفي كل مرة تنتصر القرية ويعود الموظف الحكومي مهزوماً، ويفشل في جعل الباخرة تقف مكان الدومة أمام هذا الانتماء الوجداني الذي يعميهم من خير التنمية المأمول كما نفهم.
بالتأكيد أن ما فعله الطيب صالح لم يكن دفاعاً عن الخرافة، بل أقول أنه نجح مبكرا في كشف ميكانيزم ما سمي اليوم بالدولة الشعبية العميقة – بالطبع أنا لا أقصد مفهوم الدولة العميقة المتداول اليوم في الساحة السياسية السودانية.
المتأمل لقصة (دومة ود حامد) يجد أنها كانت تقوم بأربع وظائف من وظائف الدولة الحديثة، فهي كانت وزارة صحة القرية في الأمور الصغيرة كلدغات العقارب والحمى، وكانت وزارة عدل أو مؤسسة قضاء فالناس تحلف بها، وتحتكم لكرامة ود حامد، ومن جهة بنك مركزي وجداني، فكل رجل وامرأة يراها في حلمه، فهي بذلك عملة الذاكرة الجماعية. وكذلل. يظهر دورها كوزارة سيادة، فهي التي تحدد من يدخل القرية ومن لا يدخل. فكلما حاولت الحكومة أن تشعرهم بوجودها، اصطدمت بوجود دولة شعبية قائمة وراسخة، ذات قرار لا يتزحزح، والحكومة هنا لدي القرية -في ظني- ليست حداثة، بل هي عندهم مستعمر يريد نزع ملكية رمزية ووجدانية لديهم بحجج في نظهرهم ليست ذات اهمية. فالمشروع الزراعي ليس تنمية، بل مصادرة لوجدانهم الجمعي. وهذا ما يجعل الأهالي يهبون هبة رجل واحد عندما قال الموظف “سنقطع الدومة” – لو شتم أعراضهم لما غضبوا كذلك-. لأنه لم يمس شجرة، بل مس سيادتهم الداخلية.
بلا شك الطيب صالح كان عبقرياً حين جعل البطل مملوكاً هارباً يفرش مصلاه على الماء. فود حامد نفسه لاجئ، عبد متمرد على سيده الفاسق. الدولة الشرعية في القصة أسسها عبد هارب، وليس ملك. هذا إسقاط سياسي مباشر، قال فيه إن الشرعية تأتي من الأسفل، من الهامش لا من المركز البعيد.
دومة ود حامد كانت باكورة أعمال الطيب صالح، وقد كتبها ونشرها لأول مرة من لندن، وفي احدي المقابلات اوضح ان الكتابة في بدايته كانت بدافع الحنين للوطن فقط ولم يكن يتصور انه سيكون كاتبا أو روائيا في يوما ما.
لكنه دون ان يشعر ومن خلال هذا الحنين كتب عن دستور الدولة الشعبية السودانية غير المكتوب، لان نفس سيناريو الدومة ظل يتكرر حرفياً. الدولة تقول تنمية، والأهالي يقولون لا للتهجير. والنتيجة صراع لا ينتهي لأن الدولة تتعامل مع الأرض كخريطة، والأهالي يتعاملون معها كذاكرة وجدان.
اليوم كمثال الحكومة وشركات التعدين تحاول قطع (دومات) جديدة في جبال النوبة والشمالية. وبنفس خطاب الموظف عند الدومة (سننقل لكم المياه والكهرباء). لكنه يجد نفس رد الأهالي: (حسبنا أننا نزور ضريح ود حامد ومعنا نساؤنا).
ما قاله الطيب صالح عن كيان مواز يتعامل معه الأجانب وتعتبره المفوضية مساساً بالسيادة، هو ما يحدث اليوم. كل جهة تريد أن تقطع دومة الآخر لتبني مشروعها.
العبقرية الأخيرة في خاتمة الطيب صالح أنه لم ينتصر للقرية انتصاراً رومانسياً. بل أوضح انه يمكن اقامة مكنة الماء (تحت) دومة ود حامد. أي أن التنمية يمكن أن تكون دون قطع الرمز، بل بالبناء في ظله وهذا ما يغيب دوما عن منظور موظف الحكومة حتي الآن.
واعتقد أن هذا هو الدرس السياسي الذي فشلت فيه كل حكومات السودان منذ هتافات (ياغريب يلا) إلى يومنا هذا.لا يمكنك أن تبني دولة جديدة بقطع دومة الناس. عليك أن تبني محطتك، مدرستك، مشروعك، تحت ظل دومتهم، وإلا ستبقى الباخرة لا تقف أبداً.
الدومة ليست ضد التقدم. الدومة تطلب شرطاً واحداً للتقدم: أن لا يُبنى على جثتها.
حتى متى يا برهان يستمر الوجود المسلح داخل المدن؟
أمن المواطن وسلامته خط أحمر.. وهيبة الدولة لا تقبل المساومة حتى متى يا رئيس مجلس السيادة، …





