‫الرئيسية‬ مقالات د. كمال عبد القادر.. مظنّة الخير وكهف العشّامي شهادة صديقٍ امتدت عشرته لأكثر من عشرين عاماً
مقالات - ‫‫‫‏‫36 دقيقة مضت‬

د. كمال عبد القادر.. مظنّة الخير وكهف العشّامي شهادة صديقٍ امتدت عشرته لأكثر من عشرين عاماً

د. ابوبكر محمد النور القنصلية العامة بجدة

ليست قيمة الرجال بما يتقلدونه من مناصب، وإنما بما يختزنونه من مروءة، وما يتركونه من أثر في ذاكرة الناس. والدكتور كمال عبد القادر واحدٌ من أولئك الذين جمعوا بين رجاحة العقل، ونبل المقصد، وحسن السيرة، فاستحق أن تُروى مواقفه، وأن تُحفظ له مكانته في القلوب.

د. كمال عبد القادر.. مظنّة الخير، وكهف العشامي ، والطبيب الإنسان، والأديب الأريب، والصديق الذي تصفو معه العشرة.

تربطني بالدكتور كمال صداقةٌ تمتد لأكثر من عشرين عاماً، عشت خلالها محطاتٍ من التعارف والتعاون والعمل المشترك، ورأيت عن قرب كيف تجتمع في شخصيته خصال الطبيب المداوي، والإداري المجتهد، والأديب صاحب الحس المرهف، والاقتصادي ذي الرؤية المتقدة. وقد وجدت فيه وطنيةً لا تحتاج إلى شعارات، وميلاً أصيلاً إلى العمل، وحرصاً على تحويل الأفكار إلى واقع نافع.

 

*في* *رحاب* *وزارة* *الصحة*.. *مدرسة* *في* *الإدارة* *والإنجاز*

 

ازدادت معرفتي بالدكتور كمال عمقاً حين عملت معه بوزارة الصحة الاتحادية، حيث أتيح لي أن أتابع تجربته الإدارية واهتمامه بالتطوير والإنجاز.

رأيت فيه مدرسةً متفردة في الإدارة، لا تكتفي بتسيير العمل اليومي، بل تتطلع إلى إحداث تحولاتٍ تنعكس على حياة المواطنين. وفي عهده شهد القطاع الصحي نقلةً كبيرة في البنية التحتية، وتطوير المباني، وتوفير الأجهزة والمعدات الطبية، مع امتداد الجهود إلى ولايات السودان المختلفة.

ولم تكن تلك الجهود مجرد أعمال إنشائية، بل كانت تعبيراً عن إيمانٍ بأن الخدمات الصحية حقٌّ يمس حياة الإنسان وكرامته، وأن العدالة تقتضي وصولها إلى الأطراف كما تصل إلى المراكز الكبرى.

وقد رافقته في عدد من زياراته إلى الولايات، فشهدت اهتمامه باحتياجات المؤسسات الصحية والعاملين فيها، وحرصه على متابعة العمل ميدانياً. وهنا تتجلى قيمة الإداري الحقيقي؛ فهو لا يكتفي بتحديد ما ينبغي فعله، بل يسعى إلى إنجازه وقياس أثره على الناس.

 

*الطبيب* *الإنسان*.. *حين* *يصبح* *العطاء* *سلوكاً*

 

غير أن الدكتور كمال أكبر من أن يُختزل في إنجازاته المهنية؛ فخلف الطبيب والإداري شخصيةٌ إنسانية عرفت معنى البذل. لقد شهدت إنفاقه من ماله الخاص في أعمال الخير والبر، ورأيت كيف جعل من قدرته وسيلةً للتخفيف عن الآخرين، بعيداً عن انتظار الثناء.

ولم يكن عطاؤه موقفاً عابراً، بل سلوكاً راسخاً يعكس إيمانه بمسؤوليته تجاه مجتمعه. لذلك لم يكن وصفه بالطبيب الإنسان مجرد صفة مهنية، بل تعبيراً عن حضور الرحمة في عمله، وعن إيمانه بأن العلم لا تكتمل قيمته إلا حين يخدم البشر.

 

*عقل* *اقتصادي* *و* *رؤية* *تتجاوز* *المألوف*

 

ومن الجوانب التي أثارت إعجابي في شخصيته عقليته الاقتصادية وقدرته على قراءة القضايا من زوايا متعددة، وربط الأبعاد الإدارية والمالية والاجتماعية في رؤية واحدة.

كان يهتم بما وراء الأرقام والوقائع المباشرة، ويميل إلى التفكير في البدائل واستشراف النتائج والبحث عن حلول تتجاوز المعالجات الآنية. وقد حملت أفكاره في مجالي الصحة والتنمية الاجتماعية طموحاتٍ كان يمكن أن تفتح آفاقاً أوسع للتطوير لو توافرت لها الظروف المؤسسية المناسبة.

ومع ذلك، فإن تعثر بعض المبادرات لا ينتقص من قيمة الرؤية التي انطلقت منها؛ فكثير من الأفكار الكبيرة تحتاج إلى زمنٍ وبيئةٍ ملائمة حتى ترى النور. ومن الإنصاف أن ننظر إلى التجارب في سياقها، وأن نميز بين صعوبة الظروف وقصور التنفيذ، دون أن نحجب ما تحقق من إنجاز.

 

*الأديب* *الأريب*.. *وجه* *آخر* *لشخصية* *متعددة* *المواهب*

 

إذا كان العمل الإداري قد أظهر جانباً من عقل الدكتور كمال، فإن الأدب يكشف عن جانبٍ آخر من روحه. فهو ليس طبيباً وإدارياً فحسب، بل أديب أريب يمتلك حساً إنسانياً يجعل نظرته إلى الحياة أوسع من حدود التخصص.

والأدب قدرةٌ على فهم النفس والتقاط المعاني والتعبير عن التجربة بوعي وصدق. ولعل اجتماع الحس الأدبي (كلامات )مع الخبرة الطبية والإدارية منحه زاويةً مختلفة في النظر إلى الإنسان والمشكلة والمؤسسة، وجعل شخصيته أكثر ثراءً وانفتاحاً على الأفكار.

 

*الصداقة* *التي* *تحفظها* *المواقف*

 

وبعد أكثر من عشرين عاماً من الصداقة، أدركت أن قيمة العلاقة لا تُقاس بكثرة اللقاءات، وإنما بما تكشف عنه الأيام من معادن، وما تتركه المواقف من يقينٍ في النفوس.

لقد رأيت الدكتور كمال في ميدان العمل، وفي زيارات الولايات، وفي مناقشة القضايا العامة، وفي مواقف العطاء؛ فازدادت قناعتي بأنه رجلٌ صاحب تجربة، وهمة، وحرص على أن يكون لحياته أثر يتجاوز شخصه.

ولذلك فإن كتابتي عنه ليست مجاملةً لصديق، بل شهادة إنسان عرفه عن قرب، وعمل معه، وشهد بعض جهوده، واحتفظ له بمواقف تستحق الذكر والتقدير. وما أحوجنا إلى إنصاف الكفاءات الوطنية، والاستفادة من تجاربها، وتهيئة البيئة التي تسمح للأفكار الجادة بأن تتحول إلى مشروعات نافعة.

أكتب عن الطبيب الذي رأى في مهنته رسالة، والإداري الذي سعى إلى التطوير، وصاحب الرؤية التي تتطلع إلى المستقبل، والأديب الذي أضفى على تجربته أفقاً إنسانياً وثقافياً.

أكتب عن رجلٍ رأيت فيه مظنّةً للخير، وملاذاً لأصحاب الحاجات والآمال، ورفيقاً تستحق صداقته الامتنان.

أسأل الله أن يحفظ أخي وصديقي الدكتور كمال عبد القادر، وأن يبارك في عمره وصحته وعلمه، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم من جهد وعطاء، وأن يفتح أمام أفكاره ومبادراته آفاقاً أرحب، ويكتب له القبول والذكر الطيب.

فبعض الرجال لا ينتهي أثرهم بانتهاء مواقعهم؛ لأن ما يزرعونه في حياة الناس أعمق من المناصب وأبقى من الألقاب.

 

 

‏٢٣/١١/٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

حين يشكر المثقف الإعلام… يصبح الوفاء رسالة

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتُنسى فيه الأيادي التي أسهمت في صناعة النجاح، اختار الكاتب وال…