‫الرئيسية‬ مقالات الكهرباء في مرمى العدوان..والجزاء من جنس العمل
مقالات - ‫‫‫‏‫55 دقيقة مضت‬

الكهرباء في مرمى العدوان..والجزاء من جنس العمل

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة

ما عاد استهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية في السودان عبارة عن تصعيد او تطوير في آليات المعارك ، بل أصبح مؤشراً على انتقال المليشيا المتمردة ومن يقف خلفها إلى استراتيجية الحرب المباشرة على الأرض الى استراتيجية أكثر خطورة ، مضمونها نقل المعركة إلى حياة المواطن اليومية ، واستهداف مقومات استقراره ومعاشه ، بعد أن عجزت عن تحقيق أهدافها عبر المواجهة العسكرية المباشرة ، فمنذ اليوم الأول للحرب ، ظلت المليشيا تمارس حرباً مفتوحة على المواطن السوداني ، في أمنه وقوته ومسكنه وكرامته ، ولم تكن الاعتداءات على الأعيان المدنية وما صاحبها من انتهاكات وتدمير وتهجير سوى حلقات في مشروع يفوق تفكير المليشيا ، ويستهدف الإنسان قبل الأرض ، واليوم يأتي الاستهداف الممنهج لمحطات الكهرباء ومرافق الخدمات ليكشف عن وجه آخر لهذه الحرب ، إذ لم تعد المسيرات تبحث عن أهداف عسكرية لتوجيه الضربات إليها ، وإنما تتجه إلى البنية التحتية التي تقوم عليها حياة المدنيين ، في محاولة لإرباك المجتمع ودفعه إلى السخط والاحتقان وإضعاف قدرته على الصمود.

 

والأخطر من ذلك أن هذه الاعتداءات ، وفقاً لما أعلنته الحكومة السودانية في تنويرها الأخير ، لم تعد محصورة في حدود مسارح العمليات الداخلية ، فقد قدم السودان أدلة جنائية وجغرافية مثبتة لمنصات إطلاق الطائرات المسيرة من الأراضي الإثيوبية ، بل وخطى خطوة متقدمة ، وأودع شكوى رسمية لدى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الإفريقي ، وهنا تنتقل القضية من مجرد اعتداءات تنفذها المليشيا إلى سؤال َ يتعلق بمسؤولية الدول التي تسمح باستخدام أراضيها منصاتٍ للعدوان على دولة أخرى.

 

إن صمت المجتمع الدولي ، الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ، إزاء استهداف المدنيين وتدمير مرافقهم الحيوية ، يضع مصداقية هذه الشعارات أمام اختبار ومحك حقيقي ، فأي معنى لحقوق الإنسان إذا ظل الإنسان السوداني خارج دائرة الاهتمام ، وأي قيمة للقانون الدولي إذا أصبح تطبيقه رهيناً بمصالح الدول وحساباتها السياسية ، بينما تُترك الانتهاكات الموثقة دون مساءلة.

 

المطلوب من السودان في هذه المرحلة تحرك يتجاوز بيانات الإدانة والاحتجاج التقليدية ، أولى خطواته تجميع ملف قانوني ودبلوماسي متكامل ، مدعوم بالأدلة الفنية وصور الأقمار الصناعية وبيانات الطيران وحطام المسيرات ، وتقديمه إلى المؤسسات الدولية ، مع المطالبة بتحقيق دولي مستقل ومحاسبة كل جهة يثبت تورطها أو تسهيلها لهذه الاعتداءات ، سواء تعلق الأمر بإثيوبيا أو تشاد او الإمارات أو غيرهما.

 

كما ينبغي تفعيل الدبلوماسية الثنائية والإقليمية ، واستنفار الدول الصديقة والمنظمات ذات الأثر ، وتوظيف المنابر القانونية والإعلامية لكشف شبكات الإمداد والتمويل والتسهيلات اللوجستية التي تغذي الحرب ، وفي المقابل لا بد من تعزيز منظومة الدفاع الجوي وحماية المنشآت الاستراتيجية ، ووضع خطة طوارئ لاستدامة خدمات الكهرباء والمياه والصحة والوقود ، حتى لا يتحول تعطيل مرفق إلى شلل يصيب حياة المواطنين.

 

وفي إطار البحث عن البدائل والحلول المستدامة ، ينبغي على الدولة أن تقتحم مجال الطاقة الشمسية ، وتضعه ضمن أولويات خططها الاستراتيجية لتأمين احتياجات المواطنين من الكهرباء ، وألا تترك هذا القطاع رهينة لطمع بعض الشركات التي تنظر إلى المواطن باعتباره مصدراً للربح ، فتفرض أسعاراً مرتفعة على ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات بمختلف سعاتها ، بما يجعل الحصول على هذه البدائل عبئاً إضافياً على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. والمطلوب أن تتحرك الدولة نحو التعاقد المباشر مع دول صديقة لاستيراد منظومات الطاقة الشمسية ومكوناتها ، وأن تدخل السوق بنفسها عبر آليات تضمن توفيرها للمواطنين بأسعار مناسبة ، بعيداً عن المضاربات والاحتكار ، فليس من المقبول أن يهرب المواطن من أزمة الكهرباء ليقع فريسة لارتفاع أسعار بدائلها ، بل ينبغي أن تكون الطاقة الشمسية خياراً متاحاً وميسوراً ، لا امتيازاً لمن يملك القدرة على دفع كلفتها الباهظة.

 

كما لا يقل أهمية عن ذلك تحصين الجبهة الداخلية ، وضبط الأسواق ومنع الاحتكار والمضاربة في السلع الضرورية ، ومحاسبة المتاجرين بمعاناة الناس ، فالحرب الخارجية لا ينبغي أن تجد في الاختلالات الداخلية حليفاً يضاعف آثارها.

 

إن الرد على هذا العدوان يجب أن يكون بحجم خطورته ، وأن يكون الجزاء من جنس العمل ، فلابد من ضرب إثيوبيا وتشاد بنفس السلاح ، ولكن وفق القانون الدولي وبما يحفظ سيادة السودان ومصالح شعبه ، وليجعل السودان شعاره مع هذه الدول (يا عواس السم ضوقو) فحماية المواطن ليست مسؤولية عسكرية ، وإنما معركة مزدوجة دبلوماسية وقانونية واقتصادية وخدمية متكاملة ، والسودان الذي صمد أمام محاولات كسر إرادته لن يكون مقبولاً أن يُترك رهينة لمسيرات تستهدف كهرباءه ، أو حسابات دول تجعل من أراضيها منصات لإيذائه فلا بد من الجهر بالقول والفعل (لكل فعل رد فعل وعلى كل فاعل ان يتحمل تبعات فعلته) … لنا عودة.

‫شاهد أيضًا‬

مشروع الجزيرة والعروة الشتوية…هل إكتملت الإستعدادت؟؟

4 نوفمبر، 2026م …………………… عندما يكون الحديث…