‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. من محنة يوسف إلى حكمته
مقالات - ‫‫‫‏‫58 دقيقة مضت‬

السودان.. من محنة يوسف إلى حكمته

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

في مقال سابق بعنوان “البرهان وسؤال السنوات العجاف” ، تناولنا حصيلة السنوات السبع الماضية، وما كشفته من اختلالات في بنية الدولة وإدارة السلطة، وكيف انتقلت البلاد من تعثر الانتقال السياسي إلى حرب وضعت وجودها ومؤسساتها أمام اختبار تاريخي. وخلصنا إلى أن قيمة هذه المرحلة لن تتحدد فقط بما تحقق فيها من صمود عسكري، وإنما بقدرتها على تحويل التضحيات والانتصارات إلى دولة ومؤسسات. واليوم مع اقتراب نهاية عام 2026 واستقبال عام جديد، يعود السؤال بصورة أخري، هل نتعلم من محنة يوسف حكمته، أم نكتفي بعدّ سنواتنا العجاف؟

في قصة يوسف عليه السلام، كانت السنوات العجاف، اختباراً للحكمة السياسية والإدارة الرشيدة. فقد جاءت النجاة من المجاعة نتيجة رؤية استبقت الأزمة، وخطة أحسنت إدارة الموارد، وقيادة امتلكت القدرة على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى أمن غذائي واستقرار اجتماعي.

هنا تكمن العبرة التي يحتاجها السودان اليوم، فالأزمات لا تنتهي بمجرد انقضاء أسبابها، وإنما تبدأ فرص الخروج منها حين تتوافر الإرادة المنتبهة والرؤية وحسن التدبير.

لقد كشفت الحرب أن أزمة بلادنا أعمق من المواجهة العسكرية، وأن هشاشة البناء السياسي وضعف المؤسسات وغياب الرقابة وتداخل مراكز القرار كانت من بين الاختلالات التي جعلت الدولة أكثر عرضة للانهيار.

كما أظهرت أن التوازنات السياسية المؤقتة لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات، وأن حماية الدولة لا تكتمل بمجرد الحفاظ على كيانها، بل تستوجب إعادة بنائها على أسس جديدة. لذلك فإن التحدي أمام قيادة البلاد اليوم هو الانتقال من عقلية إدارة الحرب إلى عقلية صناعة الدولة.

أولى خطوات هذا التحول في تقديري تبدأ بإعادة ترتيب البيت التنفيذي بادماج الوزارات. فالسودان يحتاج إلى حكومة رشيقة وفاعلة، تقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة، بعيداً عن المجاملات. حكومة تحدد أولوياتها بوضوح، وتربط المسؤولية بالمحاسبة والإنجاز، وتمنح القيادات التنفيذية صلاحيات حقيقية ضمن برنامج عمل معلن. فالمرحلة لا تحتمل استمرار إدارة الملفات بعقلية “المقطوعية” ، وإنما تحتاج إلى رجال دولة يستطيعون تحويل الموارد والقرارات إلى نتائج ملموسة في حياة الناس.

غير أن إصلاح الحكومة وحده لا يكفي. فغياب المجلس التشريعي والرقابة علي الأداء التنفيذي يظل أحد الاختلالات التي تستوجب المعالجة. ومن الضروري تأسيس إطار تشريعي ورقابي ، يستند إلى توافق وطني، يضمن مراقبة الأداء و يحد من انفراد أي جهة بالقرار. فالدولة الحديثة تستقيم بتوازن المؤسسات ووضوح الاختصاصات وسيادة القانون والمحاسبة.

وفي المسار السياسي، تبرز الحاجة إلى إسناد الحوار السوداني السوداني للتوافق حول مستقبل الدولة. بما يستوعب القوى السياسية والمجتمعية والمهنية والشباب والمرأة والنازحين واللاجئين، دون أن يتحول إلى محاصصة أو إعادة إنتاج للنخب التي أخفقت في إدارة المرحلة السابقة.

وينبغي أن يتأسس على ثوابت وطنية واضحة، في مقدمتها وحدة السودان وسيادته، ووحدة المؤسسة العسكرية، والاحتكام إلى الدستور والقانون، والانتقال نحو حكم وطني مستقر. فالمصالحة الوطنية لا تعني إسقاط العدالة، والتوافق السياسي لا ينبغي أن يكون طريقاً للإفلات من المساءلة.

أما أمنياً فإن بناء جيش وطني واحد، يحتكر استخدام القوة المسلحة وفق الدستور والقانون، يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الدولة. ويتطلب ذلك ترتيبات أمنية نافذة، ومعالجة آثار الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف للعودة الطوعية والآمنة للاجئين والنازحين، إلى جانب تحرك دبلوماسي جاد لوقف التدخلات الخارجية وتجفيف مصادر تمويل وتسليح المليشيا. فلا يمكن بناء سلام مستدام في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة أو استمرار تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية صراعات المصالح الإقليمية والدولية.

اقتصادياً ينبغي الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى برنامج إنقاذ وإعمار وطني، يعيد الاعتبار للإنتاج الزراعي والصناعي، ويحمي الموسم الزراعي، ويصلح القطاع المصرفي، ويضبط الإيرادات، ويوجه الإنفاق نحو الخدمات والبنية التحتية. فالسودان لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه الإدارة التي تحولها إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستقرار.

وفي علاقاته الخارجية، تحتاج البلاد إلى سياسة واضحة تنطلق من المصالح الوطنية، وتوحد منبر الدبلوماسية، وتتعامل مع المبادرات الإقليمية والدولية باعتبارها أدوات مساندة، لا بديلاً عن الإرادة السودانية. فالدولة التي لا تمتلك تصوراً موحداً لمصالحها تظل عرضة للابتزاز.

من زاوية #وجه_الحقيقة، فإن السؤال الذي طرحناه سابقاً حول حصيلة السنوات العجاف يجد اليوم امتداده في سؤال الحكمة. فالتاريخ لا يمنح القادة مكانتهم بمجرد عبور الأزمات، وإنما بقدرتهم على تحويل لحظات الخطر إلى فرص لبناء المستقبل. وتجربة يوسف عليه السلام تعلمنا أن النجاح ليس في النجاة من المجاعة، بل في امتلاك الرؤية التي تمنع تكرارها. وهنا تكمن مسؤولية القيادة، أن تدرك أن متطلبات الحرب تختلف عن متطلبات البناء، وأن حماية الدولة ينبغي أن تتبعها شجاعة في إصلاحها.

دمتم بخير وعافية

الخميس 5 نوفمبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

والي الجزيرة وعلاج أزمة الوقود بالحكمة

ظهور والي ولاية الجزيرة المكلف الطاهر الخير. وهو يتجول بنفسه في محطات الوقود وبوجه توجيهات…