‫الرئيسية‬ مقالات ما وراء البحار  بقلم: عباس حمدون  الهجرة عبر المحيطات.. موت الفكرة والمُفكر
مقالات - أغسطس 31, 2025

ما وراء البحار  بقلم: عباس حمدون  الهجرة عبر المحيطات.. موت الفكرة والمُفكر

٣٠-٨-٢٠٢٥

الهجرة فكرة، والفكرة لا تموت.. قائل هذه العبارة أراد أن يُكمل شعاره بقول … والفكرة لاتموت إلا بموت المفكر، لكنه قاطعته تصفيقات الجنقو، فاكتفى بما نطق، غير أن وهج اللحظة ابتلع بقية العبارة.

 

الهجرة من السودان لم تعد مجرد قرار فردي، بل تحولت إلى قدر جماعي يفرض نفسه على جيل بأكمله. شباب علقوا أحلامهم على رحمة المسطحات المائية، رهانات على قوارب الهشيم، بحثاً عن أوروبا المجهولة بعدما ضاقت بهم محطات الوطن. تركوا خلفهم جامعات لم تكتمل، ومشاريع تعطلت تحت وطأة الفقر، فكان البحر الأبيض المتوسط معبرهم الشاق نحو أفق يظنونه أوسع.

 

من السودان إلى ليبيا، مروراً بمالطا وإيطاليا، ثم فرنسا، تتراكم الحكايات المنسية وقصص التراجيديا التي لا تنقلها شاشات الأخبار، بل يرويها الناجون بأجساد أنهكها الخوف، وأرواح ثقلت بالغياب. في غابة (كاليه) على الحدود الفرنسية، حيث يقيم الجنقو وسط الأشجار تحت رقابة الشرطة الفرنسية المعروفة بينهم باسم (عباس)، وعباس يُعطل أحلام الجنقو وهم يريدون الوصول إلى دولة بريطانيا عبر عربات العبور السريع مستخدمين التذكرة المجانية (الجانسات )، وتظل الرحلة إلى بريطانيا هي المحطة الأخيرة، حيث هناك يلوح الأمل الأخير والتعليم المجاني، وبوابة العمل، وخميرة المال لبناء إمبراطورية الراحة يوماً ما، إن كُتب لهم الرجوع.

 

لكن العودة ليست مضمونة. فما بين الغرق والانتظار، يطوي العمر في المنافي. قليلون فقط من استطاعوا تحويل المنفى إلى فضاء للإبداع وبناء الذات، فأصبحوا صناعاً للتكنوقراط وأصحاب أفكار متجددة. آخرون وجدوا في فضاء الحرية منصة، فاختفوا في عوالمه، بينما اكتفى بعضهم بمسرحيات (اللايفات) عبر الميديا، بين محتوى نافع وآخر فارغ لا يزيد إلا من جراح اللسان وفتنة المجتمع.

 

وفي هذا الشهر والشهور السابقة، عاد البحر الأبيض المتوسط ليأخذ نصيبه من ضريبة العبور، فابتلع أحلاماً غضة، ودفن أوطاناً كاملة في أعماقه. لقد صار البحر مقبرة لجيل بأكمله، جيل وُلد في وطنٍ عظيم لكنه غرق في نكبات متكررة منذ عهد الإنقاذ وحتى اليوم.

 

وكما قال شاعرنا محمد الفيتوري، رحمة الله عليه:

 

– لا تحفروا لي قبراً

 

– سأرقد في كل شبر من الأرض

 

– أرقد كالماء في جسد النيل

 

– أرقد كالشمس فوق حقول بلادي

 

– مثلي أنا ليس يسكن قبراً…

 

 

رحمة الله على من ابتلعتهم البحار وأينما رقدوا، وسلاماً على من ظلوا في المنافي يصارعون الغياب. الهجرة ليست مجرد موت على الحدود، بل موت للفكرة والمفكر معاً.

‫شاهد أيضًا‬

السودان وتحديات المرحلة

المشهد اليوم يقودنا الي قراءة المشهد في رمضان بوعي وتأني وتحليل فيه بعد وعمق في الوطن السو…