ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون لعبة الشطرنج الواقعية هي ما تريده القوى الإمبريالية أن تُمارس على الجغرافيا الإفريقية

١٨-١١-٢٠٢٥
تدار اليوم نحو٤٥% من جملة الصراعات الداخلية في العالم داخل القارة الإفريقية، وغالباً ما تكون تحت رعاية القوى الإمبريالية التي فرضت سيطرة شبه كاملة على القارة اقتصادياً وسياسياً، بل وحتى على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين مكونات الدولة. فهذه القوى لا تستهدف إلا عمق إرادة الشعوب الإفريقية، وتستثمر في أطماع أبناء الوطن العاقين، على حساب استقرار الأمن الوطني. ومن ثم تتجه لنهب الثروات، مستفيدة من ضعف الوعي الجمعي وسط شعوب تكافح النزوح واللجوء من أجل البقاء.
والحقيقة أن المجتمع الإفريقي، رغم عمقه الحضاري، يعيش حالة عناد سياسي مزمن، فلا يميل إلى الاستقرار أو المصلحة العامة، ويبقى عالقاً في مربع الثأر السياسي، لا يعرف المصالحة الوطنية، ولا يعترف بالعقد الاجتماعي، ولا يقدّر أن شبح الموت قد يطال الجميع عند اختلال المعادلة السياسية.
فاليمين السياسي في كثير من البلدان الإفريقية يرتدي ثوب [المملكة الخالدة]، رافضاً إفساح المجال لتداول السلطة. أما اليسار السياسي، فلا يرى طريقاً لنيل حقوقه إلا عبر السلاح، ولو على حساب تدمير البنية التحتية، أو حتى محو الذاكرة الثقافية والتاريخية للدولة إذا لزم الأمر. وهكذا يتحول الطرفان إلى خصمين متصارعين، تُرهن مستقبل البلاد تحت رحمة طموحاتهم المتعطشة في السلطة، بينما يظهر لاعِبو الشطرنج الحقيقيون في الخلفية، يطلقون صافرة البداية، ثم يدفعون بجنود الطرفين إلى الهلاك الأعمى دفاعاً عن رموز اليمين أو اليسار أي [ملِك الشطرنج]– وليس دفاعاً عن الوطن أو الشعب.
إن هذه الصراعات الداخلية تمثل بالنسبة لتلك القوى السوق المثالية لتجريب أسلحتها الفتاكة وإحكام السيطرة على وعي الشعوب. والمنطق الوحيد القادر على إيقاظ الذاكرة الإفريقية هو منطق الموت حين يواجه جندي الشطرنج السؤال الوجودي:
لماذا تموت من أجل الملِك؟ وماذا تستفيد بعد موتك؟ وهل يمنحك الملِك أدنى امتياز وأنت تسكن التراب؟ بل هل يمكن للملك أن يموت لأجلك كما متّ لأجله؟
نحن اليوم نعيش حقبة تاريخية تشبه في مشاهدها لا في أطرافها.. أجواء الحربين العالميتين الأولى والثانية. وللنهوض من هذا الركام، كما نهض أحفاد هيروشيما وناغازاكي، أو كما فعلت أوروبا بثورتها الصناعية، أو كما علّمتنا تجربة رواندا في التاريخ القريب، أو كما تُظهر لنا مآسي السودان اليوم، لا بد من تنازلات سياسية حقيقية، وفتح أبواب الحوارات الوطنية، والإيمان بأن السلام يفيد الجميع، والحرب تضر الجميع، وأن نفكر ألف مرة في السؤال: لماذا نموت، ومن أجل ماذا؟
أما الاعتقاد بوجود كيان فعلي يُسمى [المجتمع الدولي] فهو وهمٌ كبير. فذلك المصطلح ليس إلا شعاراً أسطورياً بغرض التخدير السياسي يُسوَّق لشعوب القارة السمراء، بينما لا وجود له ككيان قانوني فاعل على أرض الواقع.
من المهم أن يتقدم الوطنيون الذين عاصروا فترتين من الحكم وشهدوا تغييرات سياسية كبيرة، بشهاداتهم عن الأخطاء التي وقعت، والتوصيات التي ينبغي أن يستفيد منها الجيل القادم. ليس بوصفهم شهود عصر فحسب، بل لأنهم صنّاع جزء من أسرار الحكم ومسار التجربة. فهذه الشهادات يجب أن تُسجل في التاريخ ليستلهمها الجيل الجديد لبناء دولة متحررة من الهيمنة الإمبريالية، قائمة على حكم المؤسسات لا الأفراد.
في جميع الأحوال، من الأفضل أن تموت فارغاً بدلاً من أن تُدفن في التراب وتسكن الظلام وأنت تحمل أسراراً يمكن أن تنقذ حياة جيل بأكمله وتوقف هذه اللعبة الواقعية، وتعيد للإنسان الإفريقي زمام مصيره ومستقبل وطنه.
حملة أمنية لضبط الظواهر السالبة بالدبة
بدأت صباح اليوم الأربعاء حملة أمنية شاملة لمحاربة الظواهر السالبة بمدينة الدبة ، شاركت فيه…





