‫الرئيسية‬ مقالات شيء للوطن م.صلاح غريبة “الفاو” والسودان: استثمار في التعافي والازدهار الريفي
مقالات - ديسمبر 9, 2025

شيء للوطن م.صلاح غريبة “الفاو” والسودان: استثمار في التعافي والازدهار الريفي

Ghariba2013@gmail.com

يمر السودان بمرحلة حرجة تتطلب تضافر الجهود الدولية والمحلية لتحقيق التعافي المستدام وبناء السلام. وفي هذا السياق، يكتسب المؤتمر السنوي لممثلي المكاتب الإقليمية والقطرية لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أهمية قصوى، خاصة وأن مناقشاته تناولت بشكل مباشر وحيوي الارتباط الوثيق بين المنظمة والسودان، مع التركيز على مرحلة ما بعد توقف الحرب وإعادة الإعمار.

إن ارتباط السودان بمنظمة الفاو ليس مجرد علاقة تقليدية، بل هو شراكة استراتيجية تزداد أهميتها في ظل الظروف الراهنة. ففي مرحلة التعافي وتوقف الحرب، تتجه الأنظار نحو ضمان الأمن الغذائي واستعادة سبل العيش المتضررة. لا يمكن الحديث عن سلام دائم دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وكثير منها مرتبط بالموارد الزراعية والريف.

تقع على عاتق الفاو مسؤولية محورية في تقديم الدعم الفني واللوجستي لإعادة بناء البنية التحتية الزراعية، وإصلاح نظم الري، وتوفير البذور والمواشي والمدخلات الأساسية للمزارعين والرعاة النازحين والعائدين. هذا الدعم يجب أن يكون مصمماً خصيصاً ليُسهم في بناء “سلام أخضر”، يربط إعادة الإعمار الاقتصادي باستدامة الموارد الطبيعية.

 

إن جوهر الاقتصاد السوداني يكمن في قطاعه الزراعي الضخم، ومحوره هي القرى الزراعية. أي خطة ناجحة لإعادة الإعمار يجب أن تضع القرى الزراعية في صلب أولوياتها الاستثمار في صمود المجتمعات، بدعم القرى يعني الاستثمار في صمود المجتمعات المحلية وتمكينها من الإنتاج الذاتي، مما يقلل الاعتماد على المساعدات ويُعزز الاستقرار الاجتماعي، بالاضافة الى بناء سلاسل القيمة، فيجب مساعدة أبناء الريف على الانتقال من الزراعة المعيشية إلى سلاسل قيمة أكثر ربحية، عبر توفير تقنيات التخزين والتصنيع الأولي، ومعالجة الفقر الريفي مع التركيز على هذه المناطق هو الطريقة الأكثر فعالية لمكافحة الفقر والبطالة، مما يقلل بدوره من احتمالات الانزلاق مجدداً نحو الصراع.

 

في خضم التحديات، تبرز ضرورة الاهتمام بعنصرين حيويين غالباً ما يتم تهميشهم، وهما الإعلام الزراعي والبحوث الزراعية، حيث لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار، بل يجب أن يكون قناة فعّالة لنشر المعرفة الزراعية الحديثة، وتوعية المزارعين بأفضل الممارسات، ومخاطر التغيرات المناخية، وكيفية استخدام التقنيات المقاومة للجفاف. يجب أن يُصبح أداة لربط المنتج بالسوق والمعرفة، كما إن التحديات التي يواجهها السودان — من ندرة المياه إلى الآفات والتغيرات المناخية — تتطلب حلولاً محلية. يجب دعم مراكز البحوث لإنتاج أصناف جديدة من البذور عالية الإنتاجية ومقاومة للحرارة والأمراض، وتطوير تقنيات الري الذكية. إن البحوث الزراعية هي وقود الابتكار الذي يضمن استدامة القطاع في المستقبل.

في الختام، إن حضور السودان على طاولة مؤتمر الفاو يؤكد أن المجتمع الدولي يرى في استقراره الزراعي مفتاحاً لأمن المنطقة بأسرها. المرحلة القادمة تتطلب تحويل التوصيات إلى برامج عمل ملموسة تُركّز على القرية كخلية أساسية للتعافي، وتستغل قوة الإعلام والبحوث كأدوات للتنمية. يجب أن يكون شعار المرحلة هو: “استثمار اليوم في القطاع الزراعي هو ضمان لأمن وسلام الغد في السودان”.

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…