د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب السودان بين الألم والصبر: قراءة شرعية في واقعٍ موجع

يمرّ السودان اليوم بواحدةٍ من أشدّ المحن في تاريخه الحديث، حيث ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الإنسان قبل العمران، فهُجِّر الناس، وجاع الأطفال، وانتهكت الحرمات، وسُفكت الدماء بغير حق. وفي خضم هذا البلاء، تشرق أنوار الوحي لتثبّت القلوب وتعيد للأمة بوصلتها الإيمانية.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
— سورة البقرة: 153
هذه الآية ليست مجرد تعزية، بل وعدٌ إلهيٌّ بالمعية والنصر والفرج، مهما طال البلاء.
أولًا: أثر الحرب على الشعب السوداني
1. التشريد وضياع الأمان
أدّت الحرب إلى نزوحٍ جماعيٍّ قُدِّر بأكثر من 12 مليون إنسان، تركوا بيوتهم قسرًا، يعيشون في العراء أو مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
وقد نهى الإسلام عن ترويع الآمنين، فقال النبي ﷺ:
«لا يحلّ لمسلمٍ أن يُروِّع مسلمًا»
— رواه أبو داود (5004)، وصححه الألباني.
فكيف بمن يُروَّع الآلاف ويُشرَّدون من ديارهم؟!
2. التجويع وتهديد الأرواح
أكثر من 25 مليون شخص يواجهون خطر الجوع وسوء التغذية، وهو من أعظم صور الظلم.
قال رسول الله ﷺ:
« ما آمن به من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم. رواه ابن أبي شيبة والبزار والطبراني وحسنه الألباني، وراجع الفتوى رقم: 69802، مع إحالاتها.
وفي هذا الحديث تحذيرٌ شديد من ترك الجائع دون إغاثة .
3. انتهاك الأعراض والكرامة الإنسانية
من أبشع ما أفرزته الحرب: الاعتداء على النساء والفئات الضعيفة بالاغتصاب والاستعباد الجنسي، وهي جرائم تهزّ الفطرة قبل الشريعة.
قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾
— سورة الأحزاب: 58
وقال النبي ﷺ في حجة الوداع:
«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»
— رواه البخاري (1739) ومسلم (1218).
4. سفك الدماء بغير حق.
قُتل وجرح آلاف الأبرياء، بينهم أطفال ونساء، في مشاهد تُذكّر بقول الله تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
— سورة المائدة: 32
وقال ﷺ:
«لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجلٍ مسلم»
— رواه الترمذي (1395)، وقال: حسن صحيح.
ثانيًا: ما وقع للأمة من مثل هذه المحن
ليست هذه المحنة الأولى في تاريخ الأمة، فقد مرّ المسلمون بابتلاءات عظيمة، منها:
غزو التتار لبغداد (656هـ): قُتل فيه مئات الآلاف، وسُفكت الدماء حتى اسودّت الأنهار.
سقوط الأندلس: حيث شُرّد المسلمون، وانتهكت الأعراض، وأُحرقت المصاحف.
الاستعمار الحديث: الذي قسّم البلاد، وأشعل الصراعات، ونهب الثروات.
ومع ذلك، لم تكن هذه النهايات، بل أعقبها نهوضٌ وتجديد، تحقيقًا لقول الله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
— سورة آل عمران: 140
ثالثًا: واجب الأمة تجاه السودان
1. الإغاثة والمساعدة
قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
— سورة المائدة: 2
وقال النبي ﷺ:
«من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة»
— رواه مسلم (2699).
2. الدعاء الصادق
الدعاء سلاح المؤمن، لا يُستهان به، وقد قال ﷺ:
«الدعاء هو العبادة»
— رواه الترمذي (2969)، وصححه الألباني.
3. السعي لحقن الدماء وحماية المدنيين
خاتمة ودعاء
إن ما يجري في السودان جرحٌ في جسد الأمة، وابتلاءٌ يختبر صدق الإيمان، وواجب المسلمين ألا ينسوا إخوانهم، لا بقلوبهم ولا بأعمالهم.
اللهم انصر قواتنا المسلحة الباسلة نصرا عزيزا مؤزرا عاجلا غير آجل يارب العالمين.
اللهم ارحم السودان وأهله،
اللهم اكشف عنهم البلاء،
اللهم احقن دماءهم،
اللهم احفظ أعراضهم،
اللهم أطعم جائعهم، وآوِ مشرّدهم،
واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا،
إنك وليّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المياه والسياسة وإدارة الأزمة
تحتفل الأمم المتحدة في 22 مارس من كل عام، باليوم العالمي للمياه، كتذكير مهم لقدرة الدول عل…





