‫الرئيسية‬ مقالات مضمار_الحقائق أسباب الصراعات المسلحة والحروب في السودان ومن يتحمل وزرها د. موسى آدم عثمان الفولاني
مقالات - ديسمبر 18, 2025

مضمار_الحقائق أسباب الصراعات المسلحة والحروب في السودان ومن يتحمل وزرها د. موسى آدم عثمان الفولاني

في طرح مختلف تماماً عن أطروحات المضمار، اليوم يتبنى المضمار سؤالاً عريضاً لعلنا نستطيع الإجابة عنه وفق قراءة علمية للماضي والحاضر وحتى لا نسبح في بحر لا ساحل له سنركز الحديث عن عاملين قد لا يتطرق لها كثيراً من قبل الباحثين عن الحلول الجذرية والمستديمة لاستقرار السودان. نسعى من خلال هذه الإطلالة إلى تحليل العلاقة البنيوية بين عاملي الجهل والفقر من جهة، الصراعات المسلحة والحرب في السودان على مر العصور من جهة أخرى، من منظور اجتماعي-سياسي واقتصادي. وينطلق من فرضية أساسية مفادها أن الصراعات المسلحة ليس حدثًا طارئًا أو معزولًا عن سياقه التاريخي، بل هو نتاج تراكمي طويل لسياسات فاشلة في مجالي التعليم والتنمية، أسهمت في إعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية والعنف السياسي. كما نناقش مسؤوليات الحكومات المتعاقبة في تفاقم هذه العوامل، وعجزها عن بناء مورد بشري قادر على البناء ودولة قادرة على معالجة المشاكل من جذورها.

ويُعد السودان من الدول التي عانت تاريخيًا من عدم الاستقرار السياسي وتكرار النزاعات المسلحة، حيث لم تكد تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، سواء في الأطراف أو في المركز. وقد بلغت هذه الأزمات ذروتها في الحرب الدائرة حاليًا، التي كشفت عن عمق الانهيار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وهنا تبرز أهمية تحليل العوامل البنيوية التي مهدت لاندلاع هذه الدوامة من الصراعات، وعلى رأسها عاملا الجهل والفقر، بوصفهما من أخطر مظاهر التخلف التنموي والاجتماعي. وتستغل هذه العوامل في بعض الأحيان استغلالا سيئاً كأجندة سياسية أو اجتماعية لإثارة نار الفتنة بين المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل وتعتبر بيئة خصبة للاستغلال والسمسرة السياسية. لذلك على الحكومات القادمة ان تعي ذلك الأمر جيداً وأن يكون هدفها الأول بناء الأمة لا غير من خلال محو الجهل والأمية ومكافحة الفقر.

اعتمادا على التحليل الاستناجي ومن خلال تتبع العلاقة السببية بين الفقر والجهل واستدامة الصراعات المسلحة أياً كانت نوعها، قد تنطبق بعض النظريات كنظرية الحرمان النسبي أو نظرية الدولة الهشة أو مقاربة الاقتصاد السياسي التي مفادها أن الصراعات أسبابها الشعور الجماعي بالظلم والتهميش، ضعف المؤسسات وفشل السياسات العامة والفقر وسوء توزيع الموارد التي تغذي وتشعل الحروب.

يُعد الجهل، المتمثل في ضعف نظم التعليم وانتشار الأمية، أحد العوامل الأساسية التي أسهمت في هشاشة المجتمع السوداني. فقد أدى الإهمال المزمن للتعليم، خاصة في المناطق الريفية والطرفية، إلى تدني مستويات الوعي، ما سهّل عمليات التعبئة الأيديولوجية والإثنية والجهوية. كما أسهم الجهل في ترسيخ الانتماءات القبلية والجهوية الضيقة، على حساب الهوية الوطنية الجامعة، الأمر الذي جعل المجتمع أكثر قابلية للانقسام والاستقطاب. وفي ظل غياب الحوار النقدي، أصبح العنف وسيلة مقبولة لحل النزاعات، بدلًا من الحوار.

كما يُعتبر الفقر أحد أبرز المحركات المباشرة وغير المباشرة للحرب في السودان. إذ تعاني قطاعات واسعة من السكان من البطالة، وانعدام الخدمات الأساسية، وضعف فرص العيش الكريم.

لا يمكن فهم أثر الجهل والفقر كلٌّ على حدة، إذ يعملان في علاقة تفاعلية مغلقة تعزز كل منهما الآخر. فالفقر يحد من فرص التعليم، والجهل بدوره يعمّق الفقر من خلال إضعاف القدرات الإنتاجية والمشاركة الاقتصادية. وقد أدت هذه الحلقة المفرغة إلى تآكل رأس المال البشري، وإضعاف فرص التنمية المستدامة، ما جعل المجتمع أكثر هشاشة أمام الصراعات المسلحة، وأكثر قابلية لإعادة إنتاج العنف عبر الأجيال.

قد تتحمل الأنظمة السياسية في السودان، بمختلف مراحلها، مسؤولية تاريخية عن تفاقم الجهل والفقر. فقد اتسمت السياسات العامة بغياب الرؤية التنموية الشاملة، وتغليب الاعتبارات السياسية والأمنية على حساب الاستثمار في الإنسان.

يمكن النظر إلى الحرب الدائرة في السودان باعتبارها نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الإخفاقات التعليمية والاقتصادية والسياسية. فغياب العدالة الاجتماعية، وتدهور التعليم، واستشراء الفقر، كلها عوامل أسهمت في تفكيك النسيج الاجتماعي، وجعلت العنف أداة رئيسية للصراعات وأسهم الجهل في طغيان الأثنية البغيضة وانفجار النعرات العنصرية. وقد تكون الحرب الدائرة ليست كسابقاتها امتزجت فيها الأطماع والمؤامرت الخارجية مع عاملا الجهل والفقر باستغلال قلة الوعي لذلك تشابكت أبعادها.

الجهل والفقر ليسا مجرد مظاهر اجتماعية هامشية، بل عوامل بنيوية أسهمت بعمق في اندلاع واستمرار الحروب في السودان. كما أن تحميل المسؤولية للحكومات المتعاقبة ليس موقفًا سياسيًا، بل استنتاج علمي يستند إلى تحليل مسار السياسات العامة ونتائجها.

وعليه، فإن أي مسعى حقيقي لإنهاء الصراعات والحروب بشكل جذري وبناء سلام مستدام يظل مرهونًا بإصلاح جذري لمنظومة التعليم، ومكافحة الفقر، وبناء دولة عادلة تقوم على المواطنة والتنمية المتوازنة.

هل من حلول ممكنة تخرجنا وتخرجنا بلادنا من الأتفاق المظلمة وتضع قواعد نبني عليها دولة القيم والفضيلة والمؤسسات؟ بالطبع هنالك حلول جمة يجب أن توضع في الإعتبار لا في الأرفف والأدراج، منها: *أولاً:* إصلاح جذري لمنظومة التعليم، إتاحة التعليم المجاني والإلزامي في مرحلتي الأساس والثانوي، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاع. كذلك مراجعة المناهج التعليمية لترسيخ قيم المواطنة والتعايش السلمي واحترام التنوع الثقافي والإثنية. في هذا السياق التعليم هنا ليس خدمة اجتماعية فقط، بل أداة استراتيجية لمنع إعادة إنتاج الحروب. *ثانياً:* الانتقال من منطق القبيلة والجهة إلى منطق المواطنة المتساوية. *ثالثاً:* دعم الإعلام الوطني المستقل لنشر خطاب جامع ومناهض للكراهية. *رابعاً:* تمكين القيادات الأهلية والمجتمعية في إدارة النزاعات المحلية، ولكن ضمن إطار الدولة لا بدلًا عنها. *خامساً:* مكافحة الفقر كأولوية أمن قومي وذلك عبر برامج دعم مباشر للفئات الهشة (النازحون، الشباب، النساء) وربط الدعم الاجتماعي بفرص التعليم والتدريب المهني. *سادساً:* توجيه استثمارات حقيقية إلى: الزراعة، الثروة الحيوانية، البنية التحتية الريفية ومنح الأقاليم نصيبًا عادلًا من الموارد الوطنية. *سابعاً:* السيطرة على الموارد الاستراتيجية (الذهب، الأراضي، المعابر). *ثامناً:* توظيف الدعم الدولي في إعادة الإعمار، بناء المؤسسات، دعم الاقتصاد لا النخب.

ختاماً، إن إنهاء الصراعات المسلحة دواءها التعليم وترياقها مكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية والإقتصادية.

تحياتي وتقديري

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك

‫شاهد أيضًا‬

وداع عالم وداعية..رحيل البروفيسور محمد عثمان صالح يترك فراغا في الساحة العلمية والدعوية

بقلوب يعتصرها الحزن تنعى أسرة موقع 5Minute-News.com إلى الأمة الإسلامية والسودانية خاصة ال…