‫الرئيسية‬ مقالات من حروفي خالد الفكي سليمان صيحات مناوي.. والأبعاد الاستراتيجية لمسرح العمليات بدارفور
مقالات - ديسمبر 25, 2025

من حروفي خالد الفكي سليمان صيحات مناوي.. والأبعاد الاستراتيجية لمسرح العمليات بدارفور

في لحظةٍ تبدو فيها دارفور وكأنها تعيد قراءة جراحها القديمة بلغةٍ أكثر قسوة، تتجه بوصلة الحرب مجددًا نحو غرب ولاية شمال دارفور، حيث مناطق كرنوي، وطويلة، والطينة، وأبو قمري، وغيرها من الجغرافيا التي ظلّت، لوقتٍ طويل، خارج مسرح العمليات المباشر. غير أن التحركات الهجومية الأخيرة لمليشيات الدعم السريع كسرت هذا “الحياد القسري”، وفتحت بابًا واسعًا للأسئلة حول دلالات التوسع، وأهدافه، ومآلاته على الأمن الاجتماعي والإنساني في الإقليم.

 

هذه المناطق، التي تخضع لسيطرة القوات المشتركة المتحالفة مع القوات المسلحة في ما بات يُعرف بـ“حرب الكرامة”، لا تمثل مجرد نقاط على خريطة عسكرية، بل تشكّل عمقًا اجتماعيًا واستراتيجيًا بالغ الحساسية. فهي ممرات تواصل، ومناطق استقرار نسبي، وحواضن لمعسكرات نزوح ضخمة، وعلى رأسها طويلة التي تؤوي ما يزيد على مليون نازح، هربوا من جحيم الحرب بحثًا عن حدٍّ أدنى من الأمان.

 

الهجمات التي استهدفت هذه المناطق لا يمكن قراءتها بمعزل عن استراتيجية أوسع تسعى المليشيات من خلالها إلى إعادة تشكيل ميزان السيطرة في دارفور. فالتحرك غربًا يحمل في طياته محاولة لقطع خطوط الإسناد، وتفكيك مناطق النفوذ المتحالفة مع الجيش، وفرض وقائع جديدة على الأرض تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط سياسية وعسكرية. كما أن إخضاع غرب شمال دارفور يفتح للمليشيات فضاءً جغرافيًا متصلًا بالحدود، بما يحمله ذلك من فرص للإمداد والحركة والمناورة.

 

في هذا السياق، تكتسب تصريحات القائد مني أركو مناوي، القائد العام لجيش تحرير السودان، دلالة رمزية وسياسية لافتة. قوله: “لسنا دعاة حرب، لكننا لن نُسلّم روحنا ولا تاريخنا ولا هويتنا للفوضى والبربرية”، لا يأتي بوصفه خطاب تعبئة عاطفية فحسب، بل باعتباره إعلانًا عن معادلة صلبة: الدفاع عن الوجود والهوية في مواجهة مشروع يرى كثيرون أنه يقوم على الإخضاع بالعنف وتفكيك النسيج الاجتماعي.

 

الأبعاد الأخطر لهذه التطورات لا تتجلى فقط في المشهد العسكري، بل في المصير المعلّق للمجتمعات المحلية الآمنة نسبيًا، وللنازحين الذين تحوّلت معسكراتهم إلى جزر بشرية محاصرة بالقلق. نقل الحرب إلى محيط طويلة، على سبيل المثال، يهدد بانفجار إنساني واسع النطاق، إذ إن أي انهيار أمني هناك يعني دفع مئات الآلاف إلى موجة نزوح جديدة، في إقليم استُنزفت قدرته على الاحتمال، وفي ظل غياب شبه كامل للحماية الدولية الفاعلة.

اجتماعيًا، ينذر تمدد العمليات بتفكيك ما تبقى من منظومات التعايش الهش، وإعادة إنتاج دوائر العنف الأهلي، سواء عبر الاستقطاب القسري أو عسكرة المجتمعات المحلية. فحين تصبح القرى أهدافًا، والمعسكرات ساحات محتملة، تتآكل الثقة، ويتحوّل الخوف إلى سلوك يومي، وتغدو الهجرة الخيار الوحيد أمام أجيالٍ كاملة.

استراتيجيًا، يبدو أن معركة غرب شمال دارفور ستكون مفصلية في رسم ملامح المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح القوات المشتركة والجيش في تثبيت خطوط الدفاع ومنع انهيار العمق الاجتماعي، أو تنجح المليشيات في فرض تمددها، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز دارفور إلى مجمل المشهد السوداني.

بين “ليلةٍ سمراء” و”غدٍ أمرّ”، كما عبّر مناوي، يقف الإقليم على حافة اختبار قاسٍ. اختبار لا يحدد فقط من يسيطر على الأرض، بل يجيب عن سؤال أعمق: هل تُترك دارفور مرة أخرى لمصير الفوضى، أم تُمنح فرصة أخيرة للدفاع عن الإنسان، والذاكرة، والحق في حياةٍ بلا حرب؟

‫شاهد أيضًا‬

حلفا تخطو نحو الاستقرار المائي.. تدشين المرحلة الاخيرة لتاهيل خطوط مياه الشرب بوادي حلفا

دشن المدير التنفيذي لمحلية حلفا الأستاذ ابو عبيدة ميرغني برهان المرحلة الاخيرة من مشروع تغ…