‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل قراءة في خطاب التخوين عندما تتحول المصطلحات إلى فزّاعات سياسية د. محمد فضل محمد
مقالات - يناير 3, 2026

خواطر ابن الفضل قراءة في خطاب التخوين عندما تتحول المصطلحات إلى فزّاعات سياسية د. محمد فضل محمد

اطلعتُ على تحليلٍ متوازن وعقلاني في قناة الإخبارية تناول المشكلة اليمنية، فوجدتُ فيه مدخلًا مهمًا لفهم أوسع يتجاوز الحالة اليمنية نفسها، ويُحيل – إلى حدٍّ بعيد – على الواقع السوداني الراهن؛ حيث لم يعد الخلاف السياسي يُدار عبر الأفكار والبرامج والرؤى البديلة، بل اختُزل في قاموسٍ من الاتهامات الجاهزة. فقد درجت بعض أطراف المعارضة السودانية، وعلى رأسها (صمود)، في كثير من خطابها، على تصنيف كل من يخالفها الرأي أو يخرج عن اصطفافها السياسي بأنه “إخواني” أو “داعشي”، دون أي تمييز بين الموقف الوطني، والانتماء الحزبي، أو المرجعية الفكرية.

وفي السياق ذاته، جرى توصيف الجيش السوداني – وهو مؤسسة وطنية جامعة – بأنه “جيش الكيزان”، في تعميمٍ يُقصي التاريخ، ويتجاهل الواقع، ويقفز على حقيقة راسخة مفادها أن الجيوش تُقاس بوظيفتها الدستورية ودورها في حماية الدولة وصون سيادتها، لا بالتصنيفات الأيديولوجية التي تُلصق بها عند اشتداد الخلاف السياسي.

وللتدقيق التاريخي، فإن الإشكال لا يكمن في الجيش كمؤسسة، بل في فترات تولّت فيها شخصيات عسكرية قيادة الدولة عبر الانقلابات، وكانت هذه القيادات محسوبة – سياسيًا أو فكريًا – على تيارات متباينة. فقد وصل إلى الحكم عسكريون ارتبطوا، بدرجات مختلفة، بأحزاب الأمة، أو بالتيار الشيوعي، أو بالناصريين، أو بالإسلاميين، كما في حالات جعفر نميري، وهاشم العطا، وبرمة ناصر، وعمر البشير، وغيرهم.

ومع ذلك، ظلّ الجيش السوداني – في جوهره – محتفظًا بمهنيته المؤسسية، ولم يتحوّل في أي مرحلة إلى جيشٍ حزبي خالص، رغم محاولات التسييس التي رافقت بعض العهود. فالتجربة السودانية تؤكد أن تسييس القيادة لا يعني بالضرورة تسييس المؤسسة، وأن الخلل كان في الأنظمة والانقلابات، لا في طبيعة الجيش ذاته.

غير أن بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها (صمود)، تجاهلت هذا التفريق الجوهري، ووجدت في “فزّاعة الإخوانية” أداةً سهلة لتخوين الجيش كمؤسسة وطنية، ومحاولة استعداء العالم ضده، عبر اختزال تاريخٍ معقّد في توصيفٍ أيديولوجي مبسّط.

لكن هذه الرواية لم تصمد طويلًا؛ إذ جاءت الحالة اليمنية لتكشف هشاشتها. فمحاولات بعض الأطراف تصنيف الحكومة اليمنية بوصفها “إخوانية” سقطت أمام الواقع، وفضحتها القراءات المهنية، ومنها تحليل قناة الإخبارية، الذي قدّم مقاربة أكثر توازنًا، فرّق فيها بين الدولة، والحكومة، والانتماءات الحزبية، وأعاد النقاش إلى سياقه السياسي الصحيح.

وهكذا يتبيّن أن توظيف لافتة “الإخوان” كسلاحٍ سياسي للتخوين واستعداء الخارج لم يعد مقنعًا، ولا صالحًا لتفسير الأزمات المعقّدة، لا في السودان ولا في اليمن. فالدول لا تُفهم بهذه الاختزالات، والجيوش لا تُحاكم بهذه التصنيفات، والخلاف السياسي – مهما اشتد – لا يبرر هدم المؤسسات الوطنية أو شيطنتها.

إن الخلاف مع الحكومة، أو نقد أدائها، حقٌ مشروع، بل ضرورة سياسية، لكن تحويل كل خلاف إلى معركة تخوين، وكل موقف وطني إلى تهمة أيديولوجية، لا يخدم الديمقراطية، ولا يُقنع الداخل، ولا يحترم عقل الخارج. فالدول والمجتمعات لا تُدار بالفزّاعات، بل بالحجج، ولا تُبنى بالشيطنة، بل بالمسؤولية، والتمييز الواعي بين الدولة، والحكومة، والتنظيمات الحزبية

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…