أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد مدنية – مصادَرة أم مُصدَّرة؟! محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

بعد أن فككنا في كتاباتنا السابقة من أصل_القضية :
تشويه صورة الشرطة بوصفها خصمًا للمدنية،
وتسييس صورة الجيش بوصفه بديلًا دائمًا للدولة،
شيطنة الآخر اذا اختلف تفكيره أو كثر سؤاله
نصل إلى السؤال الأخطر، والأقل طرحًا، والأشد أثرًا:
> من الذي زرع هذا الارتباك في الوعي السوداني أصلًا؟
فالاستلاب لا يحدث تلقائيًا،
ولا ينتشر صدفة،
ولا يعيش دون من يغذّيه.
وهنا نصل إلى الفاعل الخفي في معركة الوعي:
> الإعلام ، والنخب، وخطاب المدنية المُصادَرة.
أولًا: الاستلاب لا يصنعه السلاح… بل السردية
السلاح يهدم جسد الدولة،
لكن السردية تهدم معناها.
وما جرى في السودان خلال السنوات الماضية،
لم يكن فقط صراعًا سياسيًا أو أمنيًا،
بل كان – في عمقه – معركة تعريف:
ما هي الدولة؟
ما هي المدنية؟
من هو العدو؟
ومن هو الحامي؟
وحين تُترك هذه الأسئلة بلا ضبط مفاهيمي،
تتحول إلى أدوات تعبئة لا أدوات وعي.
ثانيًا: الإعلام… من ناقل للحدث إلى مهندس للانفعال
في الدولة السليمة،
الإعلام يشرح الواقع.
أما في حالة الاستلاب،
فيُستَخدم الإعلام لإعادة تشكيله.
وهكذا:
صار التفلت “ثورة”،
والهجوم على المؤسسات “سلمية”،
واستهداف الشرطة “وعيًا مدنيًا”،
واستدعاء الجيش “خيانة للمدنية”.
> لم يكن هذا تحليلًا… بل توجيهًا إدراكيًا.
الإعلام هنا لم يكذب دائمًا،
لكنه اختار الزاوية، وأدار اللغة، وصنع الإيقاع،
حتى صار المواطن يتفاعل قبل أن يفهم،
ويصطف قبل أن يسأل.
ثالثًا: النخب… حين تتحول من عقل المجتمع إلى أزمته
الأخطر من الإعلام،
هو النخب حين تفقد وظيفتها الأخلاقية والمعرفية.
فبدل أن:
تفكك،
تشرح،
وتبني جسور الفهم،
تحولت قطاعات من النخب إلى:
أدوات استقطاب،
أو منصات تصفية حسابات،
أو وكلاء خطاب خارجي بلغة محلية.
وهنا حدث الانفصال الكبير:
نخبة تتحدث باسم الشعب،
دون أن تسمعه،
دون أن تحمي الدولة التي تحتمي بها.
رابعًا: مصادرة مفهوم المدنية… حين تُفرغ من معناها
المدنية ليست:
نقيض الأمن،
ولا خصم الدولة،
ولا فوضى بلا ضابط.
المدنية هي:
حكم القانون،
تنظيم الاختلاف،
وحماية المجتمع من تغوّل القوة…
ومن فوضى الغضب في آن واحد.
لكن حين تُختزل المدنية في:
الهتاف،
الرفض المطلق،
أو كراهية المؤسسات،
فإنها تتحول من مشروع دولة
إلى أداة هدم وعي.
خامسًا: كيف تعمل مصانع الاستلاب؟
تعمل وفق معادلة بسيطة وخطيرة:
١) شيطنة المؤسسات النظامية.
٢) تبسيط المفاهيم المعقدة.
٣) تعبئة العاطفة بدل بناء الفهم.
٤) تحويل النقد إلى تحريض.
٥) نزع الثقة من أي خطاب توازني.
والنتيجة:
مجتمع غاضب،
فاقد للبوصلة،
سهل الاختراق،
ويُقاد بالانفعال لا بالعقل.
سادسًا: استعادة الوعي… من التفكيك إلى البناء
تفكيك الاستلاب لا يعني:
تكميم الإعلام،
ولا تخوين النخب،
ولا نفي المدنية.
بل يعني:
استعادة المعنى،
إعادة تعريف المفاهيم،
وبناء خطاب وطني مسؤول.
الإعلام المطلوب:
يشرح قبل أن يحشد،
يسائل دون تحريض،
ويوازن دون تمييع.
والنخبة المطلوبة:
تفكر قبل أن تصطف،
وتُقدّم الدولة على الذات،
والوعي على الشهرة.
#أصل_القضية،،،
ليس في إسكات الأصوات،
بل في ترشيدها.
وليس في تقديس المؤسسات،
بل في فهم أدوارها.
> حين تُصادَر المدنية،
> يصبح الإعلام سلاحًا،
> وتتحول النخب إلى وقود،
> ويُترك المواطن بلا دولة في وعيه.
لكن حين يُستعاد الوعي:
> تعود الشرطة جسرًا،
> والجيش درعًا،
> والإعلام مرآة لا سكينًا،
> والنخب عقلًا لا صدى.
وهنا فقط، تخرج الدولة من معركة البقاء
إلى مشروع البناء.
صرخة دارفور في قلب باريس: عندما تكسر الحقيقة جدار الصمت الدولي
Ghariba2013@gmail.com لم تكن قاعة اللقاء التضامني في بورتسودان مجرد مساحة لتبادل عبارات ال…





